الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

يسوع والصلاة (PDF) هذا المقال على نسخة PDF

يسوع والصلاة



هذا المقال يناقش الأهمية التي قد كانت للصلاة عند يسوع المسيح. وكيف يقوم الكتاب المقدس بتقدير الصلاة يتضح في حقيقة أنه يقول لنا "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (تسالونيكي الأولى5: 17)، و " تَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ" (بطرس الأولى 4: 7)، " [أن نكون ] مُوَاظِبِينَ عَلى الصَّلاةِ" (رومية 12: 12)، " وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ" (كولوسي 4: 2) ...... إلخ1.

ومع ذلك، فبالرغم من كل هذه المراجع من الكتاب المقدس والتي تشير إلى أهمية الصلاة، فأحياناً يتم إهمالها أو يتم اعتبارها كنشاط بلا أولوية. هدف هذا المقال هو إيضاح أهمية الصلاة عن طريق إظهار كيف كان هذا مهماً في حياة يسوع المسيح.

1. يسوع والصلاة: لوقا 5: 15- 16

سنبدأ هذه الدراسة لبعض التسجيلات التي نرى فيها يسوع المسيح يصلي، سنذهب إلى لوقا 5. من المهم في هذا التسجيل، كما سنجد في التسجيلات الأخرى التي ستليها، أن نعطي انتباهاً خاصاً لسياق الكلام، حيث أن هذا سيُمَكِنُنَا من معرفة الحالات التي صلى فيها يسوع المسيح. ومن ثم، فبدءاً من لوقا 5: 12- 13، قيل لنا عن الرجل الذي شُفِيَ من البَرَص. ثم تقول لنا الآية 15 و 16:

لوقا 5: 15- 16
" فَذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ. فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي."

كلمة "وأما" توضح الفرق بين ما سبقها وما تبعها. وفي حالتنا، فما سبق هذه الكلمة هو وصف لانشغال يسوع المسيح الكبير. وما تبعها يخبرنا أنه بالرغم من حقيقة انشغاله الكبير، كان يعزل نفسه في البراري ويصلي. وبالإضافة إلى ذلك، فالفعل النحوي المستخدم يوضح أن هذا لم يكن شيئاً قد حدث مرة واحدة فقط في حياة يسوع المسيح. وبالفعل فالآية لا تقول " فاجتمع جموع كثيرة.... أما هو فعزل نفسه ليصلي". ولكن عوضاً عن ذلك، ما تقوله الآية هو " فاجتمع جموع كثيرة" أي أناساً كثيرون جداً كانت تأتي إليه، ولكنه كان باستمرار يعزل نفسه في البراري ويصلي. بطريقة أخرى، فالفقرة لا تتكلم عن حادثة واحدة في حياة يسوع ولكن عن عادة كانت لديه، عن شيئاً كان ذات أهمية كبرى حتى عندما كان مشغولاً.

هذا بدوره يوضح لنا أهمية الصلاة. وهذه الاهمية كبيرة جداً لدرجة أن يسوع المسيح، ابن الله، كان يحدد لها وقتاً خاصاً وكان هذا يحدث حتى عندما كان مشغولاً كثيراً بالانشطة الإلهية الاخرى. وبالإضافة إلى ذلك، فهي تشير أيضاً إلى أن أمر الصلاة ليس قضية وقت بقدر ما هو قضية أولويات. كان ليسوع المسيح الوقت ليصلي لأنه قرر أن يخصص وقتاً لها. فبطريقة أو بأخرى، يقوم جميعنا بتخصيص الوقت لأنشطة متعددة. فالسؤال إذاً ليس عما إذا كان لدينا الوقت أو لا، لأن اليوم به نفس عدد الساعات عند جميعنا، كما كان ليسوع أيضاً، أي 24 ساعة. وإنما السؤال يجب أن يكون عن ما هي أولوية الصلاة في جدولنا الزمني؟ هل الصلاة واحدة من أولوياتنا الكبرى كما كانت كذلك عند يسوع المسيح أم أنها شيئاً نقرر القيام به بعدما نكون قد انتهينا من كل انشطتنا مثل العمل، الذهاب لمدرسة، الزراعة، مشاهدة التلفاز والنوم.. إلخ؟ مثال يسوع ، إضافة إلى كل الأخبار التي وردت في الكتاب المقدس والتي تشير إلى الصلاة، تشجعنا لأن نجعل الصلاة من أولويات حياتنا.

ومن ثم، فعوضاً عن تخصيص الوقت لكل الانشطة الأخرى ثم تخصيص البقية (إذا تبقى شيئاً) للصلاة، فمن الأفضل أن نقوم أولاً بتخصيص بعض الوقت للصلاة ثم نقوم بالتخطيط لانشطتنا الأخرى.

2. يسوع والصلاة: مرقس 1: 35

وهناك خبر تعليمي آخر حيث نري يسوع المسيح يصلي، وهذا موجود في مرقس 1: 35. ومرة أخرى، فمن المهم جداً أن ننظر إلي سياق هذا التسجيل. وبدءاً من الآية رقم 21، قيل لنا أن يسوع كان يُعَلِّم في المجمع بكفر ناحوم حيث قام أيضاً بإخراج روحاً شريرة (الآيات 23- 27). ونتيجة لذلك، " خَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ." (الآية 28) . فبعد خروجه من المجمع، ذهب إلى بيت سمعان وأندراوس حيث قام بشفاء حماة سمعان (الآيات 30- 31). وأخيراً:

مرقس 1: 32- 34
" وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَدَعِ الشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ."

ومثلما كان في الخبر السابق، فهنا أيضاً لدينا وصف ليوم آخر في غاية الانشغال بالنسبة ليسوع. وبالإضافة إلى ذلك، فبما أنه كان سيبقى في الجليل حتى اليوم التالي، وبما أن خبره قد خرج في كل الكورة المحيطة، فنستطيع أن نتوقع أن اليوم التالي كان سيصبح مشغولاً أيضاً، تماماً مثل الذي قبله إن لم يكن أكثر منه. هذا ما حدث بالضبط في الآيات 36 و 37 مشيرتين إلى اليوم التالى:

مرقس 1: 36- 37
" فَتَبِعَهُ سِمْعَانُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ: "إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ"."

كان الجميع يطلبونه. وهذا يعني أن اليوم الذي قد بدأ للتو كان سيصبح في غاية الانشغال. وحقاً، عندما تكون قد انتهيت من يوم مشغولاً جداً وتعلم أن اليوم التالي سيكون مشغولاً كثيراً أيضاً، فكم منا سيقوم باكراً جداً ليصلي؟ وإذا فعل شخص هذا، ألن يعني هذا أنه اعتبر الصلاة شيئاً ذو أهمية كبرى في حياته؟ حسناً، دعونا نرى شخصاً قام بالفعل بجعل الصلاة من أولويات حياته. من كان ذلك الشخص؟ يسوع.

مرقس 1: 35
" وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ،"

علم يسوع أنه سيكون يوماً مشغولاً كثيراً و من الأرجح أنه لن يتسع له الوقت ليصلي. فماذا فعل؟ استيقظ مبكراً ليصلي. اليست هذه طريقة رائعة لبدء اليوم؟ اليست هذه أيضاً طريقة رائعة لتبدأ يومك، حتى وإن كان يوماً مشغولاً جداً؟ عوضاً عن أن تبدأ يومك بالتفكير في ضغوطه ومتطلباته، فتستطيع أن تبدأه بمناقشة هذه الضغوط والمتطلبات مع ابيك، ثم، في خلال اليوم، ستسعد عند رؤيتك لقدرته المُعِيَنة وهي تستجيب لصلاتك وتقوم بترتيب أمور اليوم من أجلك. ولكن، للقيام بذلك ينبغي عليك أن تؤمن بما تقوله كلمة الله عن أهمية الصلاة وما يستطيع الله فعله كنتيجة لها، لدرجة أنك تعتزم القيام في الصباح للصلاة. لم يقم يسوع من قِبَل الصدفة. ولكنه قرر أن يستيقظ لأنه أدرك أولوية الصلاة وأهميتها في حياته. وأيضاً إذاً، فالصلاة مسألة أولويات وليست مسألة وقت.

يسوع والصلاة: متى 14: 23

وقصة أخرى حيث نرى يسوع المسيح يصلي، معطاة في الإصحاح الرابع عشر من متى. ومرة أخرى، فمن المهم كثيراً أن ننظر جيداً إلى سياق الكلام. هذه المرة لم يكن اليوم مشغولاً ولكنه بدأ بداية حزينة جداً ليسوع، حيث أنه كان اليوم الذي سمع فيه عن قطع رأس يوحنا المعمدان (انظر الآيات 1- 11 ). ثم في متى 14: 12 نقرأ:

" فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ [تلاميذ يوحنا] وَرَفَعُوا الْجَسَدَ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ."

وقبل أن نكمل، كيف ستشعر إذا سمعت أن ابن خالتك، والذي وقف بجانبك باستمرار وبمنتهى الإخلاص، قُتِل بهذه الطريقة البشعة؟ أعتقد أنك ستشعر بغاية الحزن، وستحب أن تبقى وحيداً لفترة. وهذا أيضاً ما أراده يسوع:

متى 14: 13
" فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدًا."

انصرافه منفرداً إلى موضع خلاء لم يكن مُرَتَّبَاً، إذ أن هذا حدث " لَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ" الخبر. ومن الواضح أن يسوع أراد أن يقضي بعد الوقت في هدوء بعد الصدمة لسماعه هذه الأخبار السيئة. ومع ذلك فلم يبق هناك إلى الأبد. فلاحقاً، ترك هذا الموضع الخلاء ورأى جمعاً عظيماً في انتظاره. وعندما رأى هذا الجمع، " تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُم." (متَّى 14: 14). وفي الحقيقة، لم يقم بشفاء مرضاهم فقط وإنما قام أيضاً بإطعامهم بطريقة معجزية (متَّى 14: 15- 21). ثم متَّى 14: 22 تقول لنا ما حدث بعد هذا الإطعام:

" وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى الْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ."

كلمة "للوقت" مرتبطة بإطعام الجموع وتعنى أنه بمجرد إطعام الجموع، ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة. لاحظ هذه الكلمة "ألزم". الكلمة اليونانية المماثلة لها هي الفعل الماضي "اناكازو" والتي استخدمت تسع مرات في العهد الجديد وهي تعني " ان تجبر شخصاً أن يعمل شيئاً حتى وإن لم يكن يريد أن يفعل ذلك " (انظر أيضاً: "قاموس "فين" لكلمات العهد الجديد"). إذاً، فوفقاً للفقرة السابقة، أجبر يسوع تلاميذه للدخول إلى السفينة. ومن المرجح أنهم لم يردوا ذلك. ولكنه لم يناقش هذا معهم. لقد أجبرهم على فعل ذلك. ثم صرف الجموع. والسؤال الذي قد نسأله هنا هو لماذا أجبر تلاميذه على المغادرة؟ ما الذي كان يخطط له بعدما يصرف الجموع؟ الجواب في الآية 23:

متى 14: 23
" وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِدًا لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ."

السبب في عدم سماحه للتلاميذ بالبقاء بل أجبرهم على الذهاب و الدخول للسفينة هو أنه اراد أن يبقى منفرداً ويصلي. أنظر كم كانت الصلاة مهمة بالنسبة ليسوع. ومن أجل الصلاة، كان مستعداً للاستيقاظ مبكراً جداً و لعزل نفسه عن الجموع وأن يجبر التلاميذ على الذهاب. ألا يشير هذا إلى أن الصلاة كانت ذات أولوية كبرى في حياته؟ أعتقد أنها كانت كذلك. لعلنا نُقَدِّر هذه الاحداث ونؤمن بما يقوله الكتاب المقدس عن أهمية الصلاة حتى نجعلها نحن ايضاً من أولويات حياتنا.

يسوع والصلاة: لوقا 6: 12- 13

تسجيل آخر حيث نرى يسوع يصلي موجود في لوقا 6. هذه المرة، التركيز ليس على حقيقة تخصيصه وقتاً للصلاة وإنما على سبب صلاته. وبالرغم من أن هذا التسجيل لا يحكي السبب بالضبط ، ولكن من السهل معرفة ذلك من السياق:

لوقا 6: 12- 13
" وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا "رُسُلاً":"

لقد قضى الليل كله في الصلاة. وبالرغم من أن الكتاب المقدس لا يقول بالتحديد ما الذي صلى لأجله، ولكنه يقول أنه في الصباح صنع واحداً من أهم القرارات التي تخص تلاميذه: وهو اختيار الاثنى عشر. إذاً، فواحد من الموضوعات الرئيسية لصلاته تلك الليلة ربما كان هذا الاختيار. والسؤال الآن هو: إذا كان يسوع قد احتاج أن يصلي قبل اتخاذ قراراته وقبل اختياراته، فهل تعتقد أننا لسنا بحاجة للصلاة قبل اتخاذها؟ حقيقة، لماذا يتوجب علينا اتخاذ القرارات مستخدمين عقولنا الصغيرة والمعلومات القادمة من حواسنا الخمس ولا نذهب لله ونسأله أن يرشدنا ويرينا ما هو الاختيار - اختياره- الأفضل؟ إنه يعلم الاختيار الأفضل، وهو على استعداد أن يرينا هذا الاختيار، ولديه الوسائل لذلك، هذه الوسائل هي روحه التي في داخلنا، ليقوم بإخبارنا به. فالسؤال إذاً ليس هو كون الله مستعداً وقادراً على مساعدتنا أم لا، لأنه قادر ومستعد بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل نختاره كمرشد ونذهب إليه لنسأله من خلال صلاتنا؟

والشيء نفسه صحيح فيما يتعلق بخدمتنا لله. نحن لا نحتاج أن نكون مشوشين تجاه كيفية خدمة الله وماذا نفعل لأجله. نحن لسنا بحاجة لان نعذب عقولنا الصغيرة لصنع القرارات التي تخص اشياءه. هو المسؤول عن أن يقول لنا ما نفعل وكيف نفعله. بعض هذه الأشياء مذكورة في الكتاب المقدس. إذاً فالكتاب المقدس يقول لنا أن نحب وأن نصلي وأن نهتم بأن نظهر أنفسنا مستحسنين أمام الله... إلخ. وهكذا، فإنك لا تحتاج أن يقول لك الله بصفة شخصية أن تصلي: لقد قال لك هذا من قبل في الكتاب المقدس. وبالمثل فإنك لا تحتاج الله أن يقول لك أن تحب: لقد قال لك هذا قبلاً في كلمته. ومع ذلك فإنك تحتاج إرشاداته الشخصية إذا حدث مثلاً أنك ذاهب إلى الأماكن كذا وكذا لتقوم ببعض الأعمال من أجله. في مثل هذه الحالة، قبل ان تقرر، صلي من أجل هذا وانظر ما يريد الله. قد يريدك أن تذهب إلى مكان آخر. قد يريدك أن تصنع شيئاً آخر. إنه عمله وهو صاحب العمل.

يسوع والصلاة: متى 26: 36- 44

بعد ما سبق، دعونا نكمل بمثال آخر والمعطى في فقرة أخرى من متى 26: 36- 44. الأشياء التي سنراها حدثت قبل القبض على يسوع المسيح بقليل والتي أدت إلى صلبه. بدءاً من الآية رقم 36 حيث نقرأ:

متى 26: 36- 38
" حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ [التلاميذ ماعدا يهوذا] يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:"اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ". ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ:"نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي"."

والسبب أن يسوع كان حزيناً ومكتئباً جداً هو أنه كان يعرف ما سيحدث. حقاً، كان وقتاً صعباً جداً له وفي نفس الوقت وقتاً حاسماً لنا جميعاً حيث ان خطة خلاصنا كانت مبنية على تضحيته الشخصية وقيامته. ولكن كيف قرر يسوع مواجهة هذه الأزمة؟ الآيات التالية تعطينا الجواب:

متى 26: 39- 44
" ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ". ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ."

كان يسوع يسأل الآب عما إذا كانت هناك طريقة أخرى يستطيع بواستطها أن يُتِم خلاص الإنسان، دون أن يضطر إلى أن يمر بهذا العذاب الذي قد مر به بعد ذلك. لقد صلى من أجل هذا. وفي الحقيقة، لقد صلى ثلاث مرات. إنه شيء تعليمي للغاية ان ننتبه إلى طريقته في الصلاة. فكما نرى، لقد أظهر رغبته إلى الله ("فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ") ولكن في نفس الوقت طلب أن تتم مشيئة الله ("وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ") . هذا مهم جداً إذ أننا في بعض الأوقات نعتقد أنه لأننا قد طلبنا من الله شيئاً فهو مضطر إلى أن يفعله وليس هذا فقط ، بل ويجب أن يفعله عندما نريده وبالطريقة التي نريدها. الله مضطر إلى أن يصنع ما نطلبه، فقط عندما يكون ما نطلبه متفقاً مع إرادته. والآن، هناك الكثير من التسجيلات في الكتاب المقدس والتي تذكر العديد من الأشياء التي ترينا إذا كان هذا الشيء متفقاً مع إرادته أم لا. ومن ناحية أخرى، فهناك أشياء أخرى بحكم الطبيعة تخص كل إنسان منفرداً، ولم تتم تغطيتها بوعد خاص في الكتاب المقدس. على سبيل المثال، دعونا نفرض أنني اريد هذه السيارة أو تلك. الكتاب المقدس لا يحتوي على اي وعد يقول لنا إذا كانت هذه هي إرادة الله أم لا. هل هو صحيح إذاً أن أدَّعِي بأن هذه السيارة ملكي؟ كلا من الواضح، إلا إذا كان الله قد قال لي بالتحديد أنها ستكون ملكي. هل هو صحيح أن أصلي لله وأخبره برغبتي؟ نعم هو صحيح! هل هو صحيح أن أطلب منه أن يريني ما إذا كان هذا مناسباً لي أن يكون لدي سيارة ؟ نعم هو كذلك! هل يتوجب علىّ أن أثق في كلمته التي تقول لي أن " إرادة الله صالحة مقبولة كاملة" (رومية 12: 2) ، وأنه " يهتم لأجلنا" (بطرس الثانية 2: 7) ومن ثم هل أُسَلِّم رغباتي لإرادته، مهما كانت هذه الإرادة؟ بالطبع نعم! هذا ما فعله يسوع. ما صلى لأجله لم يكن من المستطاع عمله. ولكن انظر أنه بالرغم من وجود رغبة " فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ"، فقد كانت له رغبة أكبر بكثير منها وهي أن تتم مشيئة الله. فقال " وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ". اليس هذا مرة أخرى شيئ تعليمي؟ الا يقول لنا هذا أنه بعيداً عن رغباتنا العديدة والتي قد نطلبها في صلاتنا، ينبغي أن تكون لنا رغبة أكبر بكثير منها وهي أن تتم " إرادة الله الصالحة المقبولة الكاملة" ؟ بالطبع نعم!

عودة إلى مثال يسوع، فبالرغم من أن ما طلبه كان لا يمكن تحقيقه، فهذا لم يعني أن الله لم يكرم صلاته. بشارة لوقا تضيف بعض التفاصيل:

لوقا 22: 41- 43
" وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلاً:"يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ". وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. "

أرسل الله ملاكاً وقَوَّاه ليقوم بعمل رغبته الكبرى: التي هي إرادة الله. في بعض الأحيان قد نكتشف أن رغبتنا الشخصية ليست على اتفاق مع " إرادة الله الصالحة المقبولة الكاملة" (رومية 12: 2) . إذا كانت رغبتنا الكبرى هي عمل إرادة الله، سيقوينا الله على القيام بها. في حالة يسوع المسيح كانت التقوية التي استقبلها بسبب صلاته موضحة في تسجيل القبض عليه:

يوحنا 18: 3- 11
" فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" أَجَابُوهُ: "يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". قَالَ لَهُمْ:"أَنَا هُوَ". وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ:"إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" فَقَالُوا:"يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". أَجَابَ يَسُوع:"قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ". لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: "إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدً". ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ:"اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟".

كانت رغبة يسوع الكبرى هي عمل إرادة الله. إذاً فقد سلم إرادته لإرادة الله، تماماً كما يجب علينا عمل ذلك. ولكن لعمل ذلك، فقد صلى وتقوى. وبعيداً عن هذا، فالتقوية ظهرت في رد فعله تجاه الذين أتوا للقبض عليه. ومن ثم، فبالرغم من ذهابه إلى البستان مكتئباً كثيراً وحزيناً جداً فرد فعله كما هو مذكور في التسجيل السابق مليء بالشجاعة. لأنه بالفعل هناك احتياج للكثير من الشجاعة لمقابلة هؤلاء الذين تعلم أنهم سيعذبوك فيما بعد. قد يحاول الإنسان الجبان الهرب من هذا الموقف. فكان من الممكن أن يحول مسؤوليته على آخرين. ولكن يسوع لم يكن خائفاً. ولكنه عوضاً عن محاولته لإخفاء نفسه خلف الآخرين، خرج وسألهم عمن يطلبون. وفي الحقيقة، لم يقم بفعل هذا فقط ولكنه ايضاً اهتم بأمن تلاميذه. وبالإضافة لذلك كانت لديه المحبة وسلام العقل لشفاء أذن عبد رئيس الكهنة التي قطعها بطرس (لوقا 22: 51). إذا لم تظهر كل تلك الأشياء شخص لديه قوة كبيرة فماذا ستظهر إذاً؟ ولكنه كيف تقوى؟ من خلال الصلاة.

يسوع والصلاة: الخلاصة

بعد كل ما سبق، لازال هناك العديد من التسجيلات التي تستطيع أن تدرسها بنفسك، فمن الواضح أن الصلاة كانت شيئاً مهماً جداً في حياة يسوع المسيح. فمن أجل الصلاة، كان مستعداً أن يستيقظ مبكراً، وأن يدفع تلاميذه للذهاب، وأن يعزل نفسه عن الجموع. بالصلاة صنع قرارات وتغلب على العديد من المواقف الصعبة. على عكس الفكرة العامة التي تقول "صلي إذا كان لديك الوقت" يسوع صنع الوقت ليصلي. بدلاً من طريقة العالم في التفكير والتي تقول: "اختر ما تعتقد أنه الافضل وافعل ما شئت" ، لقد صلى ليرى ما رآه الله أفضل وفعل مشيئة الله. ولننهي هذا الموضوع، دعونا نذهب إلى فيليبي 4: 6- 7 ودعونا نجعلها طريقتنا في التفكير:

فيليبي 4: 6- 7
" لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ."

تاسوس كيولاشوجلو

 



الحواشي

1. أنظر أيضاً: كورنثوس الأولى 14: 14- 15، أفسس 6: 18، فيليبي 4: 6، كولوسي 4: 12، تيموثاوس الأولى 2: 1، يعقوب 5: 13، 16- 18 وليس لذكر تسجيلات البشائر والعهد القديم.