الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

ماذا يعني أن تحب الله من كل قلبك؟ (PDF) PDF

"ماذا يعني أن تحب الله من كل قلبك؟"



كثيراً ما حاول الكَتَبَة والفريسيون أن يجربوا يسوع بأسئلة متنوعة، بينما كان هناك أناس آخرين يسألونه بصدق بحثاً عن أجوبة، وتكرر أحد هذه الأسئلة من شخصين مختلفين، أراد أحدهما أن يتعلم بينما أراد الآخر أن يجرب، وهو سؤال عن أعظم الوصايا، فلنقرأ من الكتاب المقدس عن هذا السؤال:

متى 22: 35- 38
"وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَامُوسِيٌّ، لِيُجَرِّبَهُ قِائِلاً: «يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى."

مرقس 12: 28 - 30
"فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَسَمِعَهُمْ يَتَحَاوَرُونَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ حَسَنًا، سَأَلَهُ:«أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟» فَأَجَابَهُ يَسُوعُ:«إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ."

1- ماذا يعني حب الله

كما قرأنا، فحب الله من كل القلب هو أهم الوصايا، ولكن ماذا يعني أن تحب الله. مع الأسف، نحن نعيش في عصر باتت فيه كلمة الحب لا تعني سوى المشاعر المجردة، فاختلط الأمر وصرنا نظن أنه لكي تحب إنسان فذلك يعني أن تُكن له المشاعر الطيبة، ولا يشترط بالضرورة وجود الحب بالمعنى الذي يقصده الكتاب المقدس. لأنه حسب الكتاب المقدس، فالحب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفعل، وخصوصاً محبة الله فهي تعني أن تعمل إرادة الله، أي وصاياه ورغبته. وقد بسَّط يسوع هذا الأمر بشكل كبير عندما قال:

يوحنا 14: 15
"إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ"

ويوحنا 14: 21 - 24
"اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي». قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ:«يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً. اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي."

وكذلك تثنية 5: 8- 10 (أنظر أيضاً خروج 20: 5- 6) حيث نقرأ:
"لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا صُورَةً مَّا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ."

إن محبة الله وحفظ وصاياه أو كلمته شيئان يكمل أحدهما الآخر، وهو ما أوضحه يسوع. فمن يحب الله يحفظ كلمة الله ومن لا يحفظ كلمة الله لا يحب الله! إذاً، فحب الله التي هي أول الوصايا لا تعني أن أشعر شعوراً طيباً أثناء جلوسي في مقاعد الكنيسة صباح يوم الأحد، بل هي بالأحرى تعني أن أصنع مرضاة الله ومسرته، وهو أمر يومي.

فنجد المزيد من الفقرات في يوحنا الأولى التي توضح معنى حب الله.

يوحنا الأولى 4: 19 - 21
"نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً. 20إِنْ قَالَ أَحَدٌ:«إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ 21وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا."

يوحنا الأولى 5: 2- 3
"2بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ. فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً."

يوحنا الأولى 3: 22 - 23
"وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ. وَهذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِاسْمِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً."

ولقد ظهرت في المسيحية اليوم العديد من المغالطات، أخطرها تلك الفكرة الخاطئة بأن تنفيذنا لوصايا أو إرادة الله من عدمه لا يهم الله في شيء، ووفقاً لهذه المغالطة، فهذا يعني أن كل ما يهم الله هو تلك اللحظة التي بدأنا فيها الإيمان، فقد فصلنا كل من الإيمان وحب الله عن الأمور العملية واعتبرناهما نوعاً من المفاهيم النظرية، أو الأمور الذهنية بحيث يمكنهما التواجد قائمين بذاتيهما منفصلين عن الطريقة التي يعيش بها الإنسان، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالإيمان يعني أن تكون مخلصاً، فعليك أن تتصف بصفة معينة لو كنت مؤمناً، وهذه الصفة هي الإخلاص! فالإنسان المخلص يهتم بإسعاد من هو مخلص له، أي يهتم بعمل إرادته، أي وصاياه.

ويتضح شيء آخر مما سبق، وهو أن حب الله وإحسانه لا يمكن اعتبارهما شيئين غير مشروطين، كما يعتقد البعض، وهذا ما نراه في الفقرات السابقة أيضاً، لذلك نقرأ في يوحنا الأولى 14: 23

" أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً. "

وكذلك يوحنا الأولى 3: 22
" وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ. "

وفي سفر الأمثال 5: 9- 10
" لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ."

في يوحنا 14: 23، هناك حرف الشرط "إن" وهناك حرف العطف "و"، فإن أحب أحد يسوع، سيحفظ كلمته "و" نتيجة لذلك، سيحبه الآب، وسيأتي إليه الآب مع ابنه وسيصنعان عنده منزلاً. كذلك تقول يوحنا الأولى أننا سننال مهما سألنا منه، لأننا نحفظ وصاياه ونعمل ما يرضيه، وأيضاً يقول سفر تثنية أن إحسان الله سيظهر لكل من أحبه وحفظ وصاياه، فهناك علاقة وطيدة إذاً بين محبة الله وإحسانه وبين عمل إرادة الله. ولنقل هذا بشكل مختلف، دعونا لا نعتقد أن الله لا يهتم حقاً بعصياننا له وإهمالنا لكلمته ووصاياه لأن الله يحبنا في كل الأحوال، وكذلك لا يجب أن نعتقد أننا حقاً نحب الله لأننا نقول أننا نحبه. وأنا اعتقد أن حبنا لله من عدمه سيظهر بإجابتنا للسؤال البسيط التالي: هل نفعل ما يرضيه ونحفظ كلمته وننفذ وصاياه؟ فإن كان الجواب نعم، إذاً فنحن نحب الله، إن كان الجواب لا، فنحن لا نحبه، إن الأمر في غاية البساطة.

يوحنا 14: 23 – 24
" إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي .... اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي"

2. "ولكنني لا اشعر بالرغبة في تنفيذ إرادتة الله": مثال الأخوين

وهناك موضوع آخر مثير للارتباك حينما يصل الأمر إلى تنفيذ إرادة الله، وهي فكرة أنه لا يجب علينا عمل إرادة الله إلا عند الشعور بالرغبة في عملها، ولكن إن كنا لا نشعر بالرغبة في عملها إذاً فالعذر معنا، وهذا على افتراض أن الله لا يريدنا أن نعمل شيئاً لا نرغب في عمله، ولكن أخبرني شيئاً، هل تذهب إلى عملك دوماً لأنك تشعر بالرغبة في عمل ذلك؟ هل تستيقظ في الصباح وتفكر ما إذا كنت تشعر بالرغبة في الذهاب إلى العمل وعلى حسب رغبتك في الذهاب تقرر ما إذا كنت ستنهض من سريرك أو ستدخل تحت الفراش؟ هل هذه هي طريقتك المعتادة؟ أنا لا أظن ذلك. فأنت تقوم بعملك بغض النظر عن شعورك تجاهه! ولكن حينما يتطرق الأمر إلى عمل إرادة الله فنحن نعطي المشاعر مساحة كبيرة. بالطبع الله يريدنا أن نعمل إرادته وأن نشعر بالرغبة في عملها، ولكن حتى لو كنا لا نشعر بالرغبة في عملها فمن الأفضل كثيراً أن ننفذها على ألا ننفذها على الإطلاق! ولكي نستخدم أحد أمثلة الرب التي أعطاها لنا، فقد قال: " وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ..." (متَّى 18: 9)، فالرب لم يقل " وإن أعثرتك عينك، وإن كنت تشعر بالرغبة في أن تقلعها فافعل ذلك إذاً، ولكن إن كنت لا تشعر بالرغبة في أن تقلعها، إذاً – بما أنك لا تشعر بالرغبة في ذلك – فلك العذر، ويمكنك أن تتركها حتى تستمر في إعثارك". فالعين الفاسدة لا بد من إقلاعها، سواء كنت ترغب في ذلك أو لا! والأمر نفسه مع إرادة الله: فالأفضل أن تعمل إرادة الله وأن ترغب في ذلك، ولكن إن كنت لا تشعر بالرغبة فيها، فنفذها على أيه حال بدلاً من عصيانه!

ولكن دعونا نرى مثالاً آخر من متَّى 21، فقد جاء رؤساء الكهنة وشيوح الشعب إلى يسوع وسألوه مرة أخرى، ولكي يجيب أحد أسألتهم، أعطاهم المثال التالي:

متى 21: 28 – 31
"مَاذَا تَظُنُّونَ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. فَأَجَابَ وَقَالَ: مَا أُرِيدُ. وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيرًا وَمَضَى . وَجَاءَ إِلَى الثَّاني وَقَالَ كَذلِكَ. فَأَجَابَ وَقَالَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ. وَلَمْ يَمْضِ. فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟» قَالُوا لَهُ:«الأَوَّلُ."

لقد أصابوا، فالابن الأول لم يشعر بالرغبة في عمل إرادة أبيه، فقال له بكل بساطة: "لن أذهب إلى الكرمة اليوم" ولكنه فكر في الأمر وغيَّر رأيه، من يعرف ما سبب التغيير، أعتقد، ربما كان حبه لأبيه، فقد سمع أبيه يناديه لعمل ما يريد ولكنه لم يرغب في القيام بها، لربما أراد أن ينام أو أن يشرب القهوة ببطء أو ربما ليخرج مع أصدقائه، فكانت ردة فعلته الأولى، ربما أثناء نهوضه من الفراش هي الصراخ قائلاً "لا لن أذهب"، ولكنه فكر في أبيه ولأنه أحب أبيه، عدل عن رأيه، ونهض من الفراش وذهب ليفعل ما أراد منه أبوه أن يفعله!

أما الابن الثاني، فقد قال لأبيه – وربما أثناء النهوض من الفراش أيضاً – "سأذهب يا أبي"، ولكنه لم يذهب! ربما رجع للنوم، ثم نادى أحد أصدقائه وأختفى ليفعل ما أراد هو، ربما شعر للحظة بالرغبة في عمل إرادة أبيه ولكن المشاعر تأتي وتذهب، فالشعور بالرغبة في عمل إرادة الله حل محله شعور آخر بالرغبة في عمل شيء مختلف فلم يذهب!

فأي الابنين عمل إرادة الأب؟ الذي لم يشعر بالرغبة فيها في البداية ولكنه عملها على أيه حال، أم من شعر بالرغبة في عملها في البداية ولكنه لم يعملها؟ الجواب واضح. والآن، فقد رأينا فيما سبق أن حب الآب يعني عمل إرادته، فيمكننا إذاً أن نسأل السؤال الآتي: "أيهما أحب الأب؟" أو "بأيهما سُرّ الأب؟ بالذي أخبره أنه سيفعل إرادته ولكنه لم يفعل شيئاً أم بالذي نفذها فعلاً؟" ويتضح أن الجواب هو ذاته: فقد فرح بالذي عمل إرادته! نستنتج من ذلك إذاً، اعمل إرادة الله بغض النظر عن شعورك! حتى وإن كان رد الفعل الأول هو "لا، لن أفعلها" "لا أشعر بالرغبة في القيام بها"، غيِّر رأيك واذهب ونفذها. نعم، إنه من الأفضل كثيراً أن تصنع إرادة الله وأن ترغب في تنفيذها، ولكن بين عدم تنفيذ إرادة الله وتنفيذها بدون رغبة قوية فيها، يكمن الاختيار وهو: "سأنفذ إرادة الآب على كل حال، لأنني أحب الآب وأريد إرضائه."

3. ليلة جثسيماني

والآن، فما سبق شرحه لا يعني أننا لا نقدر أو لا يجب أن نتحدث إلى الآب ونطلب منه اختيارات أخرى ممكنة، فعلاقتنا بالآب علاقة حقيقية، فالرب يريد قنوات الاتصال أن تكون مفتوحة بينه وبين أبنائه وخدامه. فما حدث في جثسيماني ليلة صلب يسوع كان مميزاً، فقد كان يسوع في البستان مع تلاميذه وأتى يهوذا الخائن مع خدم رؤساء الكهنة والشيوخ للقبض عليه وصلبه، وكان يسوع في جهاد، وكان يود لو أن هذا الكأس يُرفَع عنه، وطلب هذا من الآب:

لوقا 22: 41-44
"وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ."

لا يوجد خطأ في سؤال الآب عن مخرج، لا يوجد خطأ في سؤال الآب عن البقاء في المنزل اليوم وعدم الذهاب للكرمة! ولكن الخطأ هو أن تبقى في المنزل على كل حال بدون سؤاله! فهذا عصيان، ولكن ليس من الخطأ أن تطلب منه استثناء أو طريقة أخرى، في الحقيقة لو لم يكن هناك طريقة أخرى، فقد تحصل على تشجيع خاص للمضي قدماً وتنفيذ إرادته، وقد نال يسوع هذا التشجيع: " وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ".

فقد فضَّل يسوع لو أن الله يجيز عنه هذه الكأس ولكن، فقط لو كانت هذه هي إرادة الله، وبالطبع لم يكن الوضع كذلك، وقد قبل يسوع الأمر، حيث قال لبطرس أمام يهوذا بصحبة حراسه:

يوحنا 18: 11
"فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ:«اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟».

لطالما صنع يسوع ما يَسُر الآب، حتى لو لم يشعر برغبة في عمل ذلك، وبسبب هذا، بسبب فعله دائما لما يسر الآب، فلم يتركه الآب وحده أبداً، حيث قال:

يوحنا 8: 29
"وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ»."

هو مثالنا، حيث يقول لنا الرسول بولس في فيليبي:

فيليبي 2: 5 - 11
"فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، 11وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ."

لقد وضع يسوع نفسه، وقال " وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ"، يسوع أطاع! وهو ما يجب علينا فعله أيضاً، نفس الفكر، فكر الطاعة، الفكر الذي يقول "وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ" ينبغي أن يكون فينا أيضاً! كما يقول بولس كذلك:

فيليبي 2: 12- 13
"إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ."

"إِذًا يَا أَحِبَّائِي" أي لأننا لدينا مثل هذا المثال العظيم للطاعة، وهو ربنا يسوع المسيح، فلنطع نحن أيضاً، أن نتمم خلاصنا بخوف ورعدة لأن الله هو العامل فينا أن نريد ونعمل من أجل مسرته، وكما يقول يعقوب في رسالته:

يعقوب 4: 6- 10
"لِذلِكَ يَقُولُ:«يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً». فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. اكْتَئِبُوا وَنُوحُوا وَابْكُوا. لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ، وَفَرَحُكُمْ إِلَى غَمٍّ. اتَّضِعُوا قُدَّامَ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ."

الخلاصة

إن حب الله من كل القلب هي أهم الوصايا، ولكن حب الله ليس مجرد حالة ذهنية حيث تشعرشعوراً طيباً تجاه الله، بل إن حب الله يعني أن تفعل إرادة الله! فلا يوجد ما يسمى بأن نحب الله ونعصيه في وقت واحد! ولا يوجد ما يسمى بأن تؤمن بالله وفي الوقت نفسه لا تخلص له! فالإيمان ليس حالة ذهنية، إن الإيمان بالله وبكلمته يعني أن تكون مخلصاً لله وكلمته، فدعونا لا نصدق المغالطة التي تحاول أن تفصل كل منهما عن الأخرى، وكذلك فحب الله وإحسانه يأتي على هؤلاء الذين يحبونه أي الذين يفعلون ما يرضيه أي من يفعلون إرادته. بالإضافة إلى ذلك، فلقد رأينا أيضاً أنه من الأفضل أن تمضي وتنفذ إرادة الله حتى وإن كنت لا تشعر بالرغبة في القيام بها على أن تعصي الله، وهذا لا يجعل منا آلات بدون مشاعر، فيمكننا (يتوجب علينا) دائماً أن نتحدث إلى الرب ونطلب منه طريقة أخرى لو شعرنا أن إرادته صعبة جداً علينا لننفذها وعلينا أيضاً أن نتقبل رده كما هو، فلو كانت هناك طريقة أخرى لوفرها لنا، فهو أعظم معلم وأب على الإطلاق، صالح ورحيم على كل أولاده، ولو لم يكن هناك أي طريقة أخرى، فسيشجعنا على تنفيذ ما قد يبدو صعباً جداً علينا، تماماً مثلما فعل مع يسوع تلك الليلة.

أناستاسيوس كيولاشوجلو