الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

طاعة الله (PDF) PDF

طاعة الله



سنتناول في هذا المقال موضوع الطاعة، وحتى نبدأ، سنذهب إلى رومية 6: 15- 18 حيث نقرأ:

رومية 6: 15- 18
"فَمَاذَا إِذًا؟ أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟ حَاشَا! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟ فَشُكْراً ِللهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ."

وفقاً لهذه الفقرة، فنحن عبيد للذي نطيعه، مع وجود احتمالين: إما ان نكون عبيداً للخطية بإطاعتها، أو عبيداً للبر عن طريق طاعة الله وتعاليمه من القلب، وبمعنى آخر، من المستحيل أن نخدم الله بصدق لو لم تكن قلوبنا مطيعة له. وحقاً، فلا يهم مقدار نشاطك في الأنشطة الدينية، ولكن ما يهم هو مقدار طاعتنا له، لأن طاعتنا ومن نطيع هما ما يحددان من نخدم في الحقيقة. كما تقول لنا يعقوب 4: 7- 8

يعقوب 4: 7- 8
"فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ."

نحتاج أن نقترب من الله حتى يقترب منا، نحن لا نستطيع أن نخدمه عن بعد من دون أن نعرفه، فنحن نستطيع أن نخدم فقط من نطيع والذي نطوِّع أنفسنا له، كما تقول فيليبي 2: 5- 11

فيليبي 2: 5- 11
"فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ."

ينبغي أن يكون لنا نفس الفكر الذي كان ليسوع المسيح، ماذا كان هذا الفكر؟ كان هذا الفكر هو طاعة الله، الفكر الذي لم ينكر حتى موت الصليب من أجل طاعة لله، كان فكر بستان جثسيماني:

متى 26: 36 - 39، 42
"حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:«اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ:«نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي». ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»... فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ»."

كان فكر يسوع المسيح، فكر طاعة الله، هو " وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ"، هذا هو الفكر الذي توصينا به كلمة الله، ليس كما نريد نحن بل كما يريد الله. من السهل أن تكون مطيعاً عندما يكون كل شيء على ما يرام، عندما يعطينا الله اشتهاء قلوبنا فنستقبلها بفرح عظيم، ولكن، ماذا نفعل عندما لا يحدث هذا؟ كيف نتصرف عندما يبدو أن خطط الرب تنحرف عن خططنا؟ ها هو الفرق بين المطيع وغير المطيع: في الفرح، سيتصرف الاثنان بنفس الطريقة، فليس الفرح هو ما يتسبب في سقوط القسم الثاني من الناس في مثل الزارع، بل على العكس، كما قال يسوع في (لوقا 8: 13): "يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ"، إلا أن هذا لا يستمر، فيسقطون عند أول تجربة (متى 13: 21، لوقا 8: 13). فعندما يتعارض اختيار الرب مع اختيار الإنسان غير المطيع، يفر بعيداً، بينما يبقى المطيع قائلاً: "لو أمكن ... ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت".

طاعة الله أفضل من التضحية

هناك قصة مشهورة في صموئيل الأولى: هذه القصة هي قصة صعود شاول وسقوطه في ممكلة إسرائيل، حيث عُيِّن شاول من قِبل الله ليكون ملك إسرائيل الأول. في البداية كان متواضعاً، في الحقيقة، اختبأ من الناس يوم أُعلِن ملكاً (صموئيل الأولى 10: 22)! إلا أن اتضاعه لم يستمر طويلاً، فما لبث أن تحول إلى فخر، ثم وتحت قيادة شعبه صار متسرعاً في اتخاذ القرارات بدلاً من الخضوع لقيادة الرب. فنرى تمرده الأول في صموئيل الأول 13 حيث انتظر شاول والشعب صموئيل حتى يأتي من أجل الذبيحة بينما كان الفلسطينيون مستعدون للحرب على الجانب الآخر، إلا أن صموئيل كان متأخراً. ولما رأى شاول هذا، عمل ما لم يكن مسموحاً له أن يعمله، فقدم الذبيحة بنفسه. ينتظر المطيع الله ويحفظ وصاياه مهما كانت تكلفة ذلك، ولكن على الصعيد الآخر، يبقى غير المطيع مطيعاً مادامت الأمور على خير ما يرام، ولكن، عندما تتغير الأمور يبدأ في العمل بمفرده ويظن أنه انتظر كثيراً ثم عليه أن يفعل شيئاً في نهاية اليوم. جاء صموئيل بالضبط عندما انتهى شاول من الذبيحة، إلا أنه لم يجلب معه أخباراً سارة.

صموئيل الأولى 13: 13- 14
"فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَ، لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ. وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ. قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ، وَأَمَرَهُ الرَّبُّ أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَى شَعْبِهِ. لأَنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ مَا أَمَرَكَ بِهِ الرَّبُّ»."

كان هذا على الأرجح هو اختبار شاول الحاسم، لو نجح فيه ولو أطاع الرب ووصاياه، ستؤسس مملكته، ولو لم يطع، ستضيع مملكته، وكما أخبره صموئيل: " لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ. وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ". من الواضح أن شاول لم يجتز اختبار طاعة الله، فعندما رأي أن صموئيل لن يأتي، ترك وصية الرب ليعمل بمفرده.

ونراه لاحقاً مكرراً نفس الخطية، فنقرأ في صموئيل الأولى 15: 1- 3

صموئيل الأولى 15: 1- 3
"وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا»."

أُمِر شاول من قِبَل الرب أن يدمر عماليق تماماً، فتخبرنا الآيات 7 - 9 بما فعله في النهاية:

صموئيل الأولى 15: 7- 9
"وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابِلَ مِصْرَ. وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَ. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا."

على الرغم من أن شاول سمع من الرب بكل وضوح أن عليهم أن يُحَرِّمُوا عماليق، إلا أنه لم ينفذ الوصية، أو بمعنى أدق، نفذها فقط كما أراد هو وشعبه. ومن ثم، دمروا ما نووا تدميره، مبقين على ما لم ينووا تدميره، ولكن، هذا لا يسمى طاعة، لا تعني طاعة الله أن تفعل إرادته جزئياً، إلى الحد الذي تريده أنت، بل أن تفعل ما أوصاك الله أن تفعله تماماً وبالضبط، كما تخبرنا إرميا 48: 10

إرميا 48: 10
"مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ"

الطاعة هي عمل الوصايا التي أوصاك الله بها سواء من خلال كلمته المكتوبة أو كما حدث مع شاول بالإعلان. فنكون غير مطيعين عندما نعمل شيئاً لم يقوله الله حتى وإن كان ما نعمله يُعمَل باسمه، فالرب لا يريدنا عمالاً مشغولون بعمل أشيائنا الخاصة لأجله، بل يريدنا عمالاً مطيعين نعمل تماماً ما أوصانا به. نفذ شاول وشعبه عمل الرب بإهمال، فبالنسبة لشاول، لم يكن لديهم نوايا سيئة: "21فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ»." (صموئيل الأولى 15: 21)، وأراد الشعب أن يضحي، ولكنهم لم يريدوا أن يطيعو، كما قال صموئيل:

صموئيل الأولى 15: 22- 23
"فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ»."

لا يهم مقدار ذبائحك التي صنعتها للرب، بل ما يهم هو مقدار طاعتك له، الذبائح المقبولة هي فقط الذبائح التي أوصانا بها الرب، والخدمة الحقيقية تكون هي فقط الخدمة التي أوصي بها الرب، وأي شيء آخر، حتى وإن كان يُعمَل باسمه، هو عصيان وأعمال موجهة من قِبَل الطبيعة القديمة، كما قال يسوع المسيح:

يوحنا 7: 16- 18
"أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ:«تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي. مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ."

أراد شاول إرضاء رجاله، واهتم بهم وبرأيهم أكثر مما اهتم بالله وبرأيه، وعندما اعترف لاحقاً بخطيته، لم يكن خوفه على فقدان علاقته بالله بل على احترامه من قِبَل شعبه: "فَقَالَ [شاول]: «قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي .."، وأيضاً، ارتكب داوود، وريث شاول، الزنا ثم القتل، ولكن، عندما واجهه ناثان (صموئيل الثانية 12: 1- 14)، لم يكن قلقاً على عرشه بل على علاقته بالرب (مزمور 51)، ولهذا السبب غُفِر لداود في بحثه عن استرجاع علاقته بالرب، بينما رُفِض شاول في بحثه عن استرجاع عرشه.

2. مثال إبراهيم

على نقيض مثال شاول، لدينا مثال آخر وهو مثال إبراهيم، في الغالب نعرف جميعاً قصة إبراهيم وإسحق، كان إسحق هو ابن إبراهيم الوحيد من سارة، وكان هو أيضاً الابن الذي وعده الله به والذي انتظره لسنين كثيرة، ولكن، في يوم من الأيام، أُمِر إبراهيم من قِبَل الله بأن يذبح إسحق:

تكوين 22: 1- 2
"وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ»."

علم الله جيداً كم أحب إبراهيم إسحق، عرف أنه "ابنه الوحيد الذي أحبه"، وعلى أي حال، كان الله هو من أعطاه إياه، ولكن، هل أحب إبراهيم إسحق، نعمة الله، أكثر من الله ذاته؟ لو كان مضطراً أن يختار بين الاثنين، ماذا كان سيفعل فعلاً؟ هل كان سيسلم ذاته لله حتى لو تضمن الأمر ثمناً شخصياً عظيماً؟ أم سيفعل كما فعل شاول ويتمرد عاملاً ما أراد هو؟ وبتوجيه السؤال إلينا: هل نتبع الله حقاً لأننا نريد أن نعرفه ونريد أن نتبعه أم أننا نتبعه فقط لأجل بركاته؟ لأجل "إسحق" الذي أعطانا أو الذي نتوقع أن يعطينا؟ وحقاً، ماذا كنا سنفعل لو حدث معنا مثلما حدث مع إبراهيم، ودعينا إلى أن نضع على المذبح أعظم بركة أعطانا الله إياها أو توقعنا أن يعطينا، أياً كان هذا الشيء؟ هل سنفعل هذا حقاً؟ وعلى الرغم من بركات الرب الكثيرة، إلا أن هذه لا ينبغي أن تكون بالطبع محور علاقتنا به، ولكن يجب أن يكون محورها هو معرفته بشكل شخصي، وابنه العجيب الرب يسوع المسيح، كما قال بولس:

فيليبي 3: 8- 15
"بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ،.... لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، 11لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ."

كل شيء وحتى أعظم البركات في العالم، هي نفاية مقارنة بعظمة معرفة ربنا يسوع المسيح، وبالرجوع إلى إبراهيم، فلنرى ما فعل في النهاية:

تكوين 22: 3- 10
"فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: «اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا». فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: «يَا أَبِي!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا ابْنِي». فَقَالَ: «هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟» فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي». فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ."

نفذ إبراهيم ما أوصاه به الرب تماماً، لم يكن هذا بالطبع هو أسعد شيء في حياة إبراهيم، فمثله مثل رجال الكتاب المقدس الآخرون، لم يكونوا مخلوقات آلية عملت إرادة الله بشكل ميكانيكي، بل كانوا مثلنا، أناس ذوو إرادة حرة اختاروا بإرادتهم أن يسلموا أنفسهم للرب، فلم تكن طاعتهم آلية بل كانت "من القلب"، تلك هي الطاعة الوحيدة التي يتحدث عنها الكتاب المقدس، فالله لم يرد آلات أو أناس ثلجية يعملون ما يقول بشكل ميكانيكي بدون أي إحساس، بل أراد أناس يحبونه من كل قلوبهم وأرواحهم وعقولهم (مرقس 12: 30)، أراد أناس ذوو إرادة حرة يقررون "من القلب" أن يسلموا أنفسهم له. بالرجوع لإبراهيم، فقد تبع كلام الله على الرغم من أنها كانت تبدو وكأنها تتضمن فقدان ابنه، ثم وعندما وصل إلى النقطة الحرجة، تدخل الرب:

تكوين 22: 11- 12، 15- 18
"فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي».... وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي»."

كان هدف الاختبار هو إثبات طاعة إبراهيم لله من عدمها، حتى وإن تضمن هذا التضحية بالبركات التي كانت معه. بارك الله كل من شاول وإبراهيم، جُعِل الأول الملك الأوحد على إسرائيل، أما الأخير فنال الوعد بأن يتبارك في نسله جميع الأمم، ولكن الفرق كان بينهما عظيماً، حيث حرص الأول على البركات وحمايتها فأدى به ذلك إلى العصيان والسقوط، أما الأخير فقد حرص على مانح البركات، فاسترد ابنه في النهاية مع التأكيد على البركات له ولنسله.

3. الخلاصة

اختبرنا فيما سبق موضوع طاعة الله، على الرغم من أن الاختبار لم يكن مرهقاً بأي حال من الأحوال، إلا أنني أتمنى أن يكون قد أوضح أهمية الموضوع، وكما تقول الكلمة في ميخا 6: 6- 8

ميخا 6: 6- 8
"بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟ قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ."

كل ما يريده الله منك هو أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً معه. أن نتواضع تحت يد الله القوية حتى يرفعنا في حينه (بطرس الأولى 5: 6). فالعصيان إما بالقيام بما لم يوصي به الرب أو عدم القيام بما أوصى به الرب هما عملان منفصلان عن الله، لا يهم ما نعمل أو النوايا التي قد تكون لنا، كل ما يهم هو ما إذا كان ما نصنعه هو ناتج عن طاعة الله كذبيحة إبراهيم، أو عن عصيان كالذبيحة التي قال شاول أنه نوى على تقديمها.

تاسوس كيولاشوجلو