الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

دراسة كتابية في سفر أستير (PDF) PDF

دراسة كتابية في سفر أستير



هناك الكثير من المواضع في الكتاب المقدس تشير إلى قوة خلاص لله، وأحد تلك المواضع هي سفر أستير، فأود إذاً أن أقضي بعض الوقت في هذا المقال للنظر إلى هذا السفر والدروس المستفادة منه.

أستير 1، 2: الخلفية

وقعت الأحداث المذكورة في سفر أستير في أثناء سبي شعب إسرائيل إلى بابل. مكان القصة هو شوشن، المدينة التي عاش بها الملك أحشويروش1 ملك فارس ومادي، فبعدما طلق هذا الملك زوجته الأولى، الملكة وشتي2، أخذ يبحث عن زوجة جديدة لتصير الملكة. ولإيجاد زوجة جديدة للملك، نُظِّمت مسابقة حيث تت النساء من كل أنحاء المملكة إلى شوشن بهدف أن يشغلن مكان الملكة الخالي (أستير 2: 1- 4). وكانت من ضمن النساء أستير، فتاة عبرية أُحضِرَت من قِبل مردخاي الذي سُبِيَ من أورشليم على يد نبوخذنصر (أستير 2: 5- 7). وأخيراً وبعد أن نالت الفتاة أولاً نعمة في عيني " هَيْجَايُ خَصِيُّ الْمَلِكِ حَارِسُ النِّسَاءِ" (أستير 2: 9) نالت نعمة في " عَيْنَيْ كُلِّ مَنْ رَآهَا" (أستير 2: 15) وأكثر أهمية من ذلك أنها نالت نعمة في عيني الملك نفسه (أستير 2: 17) وفازت بالمسابقة، فأصبحت أستير هي الملكة الجديدة، إلا أنها وبعد أن أوصيت من قِبل مردخاي، لم تفصح لأي إنسان عن كونها يهودية، إذاً فلم يعرف أي إنسان جنسيتها ولا حتى الملك.

أستير 3: بداية المشكلة

وعلى الرغم من أن كل شيء يبدو حسناً حتى الآن، إلا أن أستير 3: 1 تقدم لنا شخصاً جديداً والذي جلب مجيئه مشاكل كبيرة. تخبرنا أستير 3: 1- 6 عن هذا الإنسان وعن المشاكل التي تسبب فيها:

أستير 3: 1- 2، 5- 6
"بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ عَظَّمَ الْمَلِكُ أَحَشْوِيرُوشُ هَامَانَ بْنَ هَمَدَاثَا الأَجَاجِيَّ وَرَقَّاهُ، وَجَعَلَ كُرْسِيَّهُ فَوْقَ جَمِيعِ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ. فَكَانَ كُلُّ عَبِيدِ الْمَلِكِ الَّذِينَ بِبَابِ الْمَلِكِ يَجْثُونَ وَيَسْجُدُونَ لِهَامَانَ، لأَنَّهُ هكَذَا أَوْصَى بِهِ الْمَلِكُ. وَأَمَّا مُرْدَخَايُ فَلَمْ يَجْثُ وَلَمْ يَسْجُدْ.... وَلَمَّا رَأَى هَامَانُ أَنَّ مُرْدَخَايَ لاَ يَجْثُو وَلاَ يَسْجُدُ لَهُ، امْتَلأَ هَامَانُ غَضَبًا. وَازْدُرِيَ فِي عَيْنَيْهِ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مُرْدَخَايَ وَحْدَهُ، لأَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ عَنْ شَعْبِ مُرْدَخَايَ. فَطَلَبَ هَامَانُ أَنْ يُهْلِكَ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي كُلِّ مَمْلَكَةِ أَحَشْوِيرُوشَ، شَعْبَ مُرْدَخَايَ."

بدءاً من نهاية الفقرة، يبدو أننا في بداية مشكلة حقيقية كبيرة؛ هامان، الرجل الذي رقاه الملك " فَوْقَ جَمِيعِ الرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ" أي ثاني رجل في المملكة، غضب من مردخاي لأنه رفض أن يسجد له، فاراد لهذا السبب أن يدمر شعب مردخاي أي جميع اليهود. على الرغم من أن هذا يبدو جنوناً بشكل واضح، أن يريد إنسان أن يدمر أمة بأكملها بسبب رفض رجل واحد السجود أمامه، إلا أن هناك بصيرة روحية في تصرفاته وهذا ما تظهره النظرة الأولى. وحقاً، فبما أن تلك المملكة العظيمة والتي كان هامان هو الرجل الثاني فيها، كانت ممتدة من الهند إلى إثيوبيا (أستير 1: 1) فنستطيع أن نفهم أنه لن يحيا أي يهودي لو أدرك هامان أغراضه. والآن، فإن كان قد حدث هذا، فالسؤال هو كيف سيولد المسيح؟ الله وعد إبراهيم في البداية (تكوين 17: 7 وغلاطية 3: 16) ثم وعد داود لاحقاً (مزمور 132: 11- 12 وأعمال الرسل 2: 30) بأنه سيقيم المسيح من نسلهم. ولكن، لو كان هامان قد أدرك مقاصده، ما كان قد تحقق أي وعد بخصوص يسوع المسيح ولكانت قد فشلت خطة الله بأكملها للخلاص. إذاً، فلم تكن نوايا هامان هي ببساطة بسبب جنون الارتياب بل كانت شيطانية بالتأكيد. كان الشيطان هو من يعمل وراء هامان، محاولاً أن يلغي مجيء المسيح عن طريق تدمير الأمة بأكملها، تماماً مثلما حاول بعد ذلك ببضع قرون أن يقتل يسوع من خلال هيرودوس قبل أن يتمكن يسوع من تحقيق مهمته. للتلخيص إذاً، تتعلق المشكلة الأولى بوعود الله فيما يخص يسوع المسيح، فلدينا هنا رجل صمم على إلغاء تلك الوعود بقتل اليهود، والسؤال هو: هل سيقدر الله على الدفاع عن وعوده؟ وعموماً: فهل وعود الله غير قابلة للكسر أم أنه من الممكن كسرها بإرادة أي إنسان حتى وإن كان الرجل الثاني في أعظم مملكة آنذاك؟ على الرغم من عرضنا للمشكلة إلا أننا لم نذكر بعد أي شيء عن سبب المشكلة، وحقاً قد يتسائل البعض عن سبب امتناع مردخاي السجود لهامان وإظهار الاحترام له، ففي النهاية، كان هامان هو الرجل الثاني في المملكة، الرجل المجاور للملك. فلماذا إذاً لم يظهر مردخاي احترامه له كما أمر الملك (أستير 3: 21)؟ ألهذه الدرجة كان مغروراً؟ الجواب هو كلا، فسيفهم سبب عدم تقديم مردخاي الاحترام لهامان إن انتبهنا لحقيقة ذكر النص إلى أن هامان كان أجاجي، وقد يعني هذا الآن أنه أتى من أجاج، ملك العماليق3 والذي يعني بدوره، إن كنا على صواب في تخمينا، أنه كان من العماليق4، فما الخطأ في هذا إذاً؟ الخطأ في هذا هو أن العماليق حاربوا شعب إسرائيل وهم في طريقهم إلى أرض الموعد (خروج 17)، فقد أعلنهم الله أعدائه. تخبرنا خروج 17: 14- 16 بكل بساطة:

خروج 17: 14- 16
"فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اكْتُبْ هذَا تَذْكَارًا فِي الْكِتَابِ، وَضَعْهُ فِي مَسَامِعِ يَشُوعَ. فَإِنِّي سَوْفَ أَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ». فَبَنَى مُوسَى مَذْبَحًا وَدَعَا اسْمَهُ «يَهْوَهْ نِسِّي». وَقَالَ: «إِنَّ الْيَدَ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ. لِلرَّبِّ حَرْبٌ مَعَ عَمَالِيقَ مِنْ دَوْرٍ إِلَى دَوْرٍ»."

إذاً فهامان بكونه عماليقي، كان إنسان للرب حرب معه، ومن ثم، فقد كان لمردخاي خيارين: إما أ) أن يكرم هامان، عدو الله، ومن ثم تكون إهانة لكلمة الله أو ب) أن يكرم كلمة الله ويرفض أن يسجد لهامان. وحقاً لا يقدر أحد أن يتمسك بكلمة الله بينما هو مستعد في المقام الأول أن يتحايل عليها، فالطريقة الوحيدة لمعرفة الله هي من خلال كلمته والطريقة الوحيدة للوجود مع الله هي بالتمسك بكلمته. فقرر مردخاي ألا يتحايل على كلمة الله ويكرم عدو الله بالسجود له، بمعنى آخر، قرر أن يتمسك بالله واثقاً من أن الله سيخلصه كما وعد في كلمته6. والسؤال الثاني الذي يحتاج إلى جواب إذاً هو: هل سيقدر الله على تخليص مردخاي، الرجل الذي تمسك به؟ وبشكل أعم: هل الله قادر على تخليصنا من أي خطر عندما نقرر الوثوق به والوقوف بجرأة على كلمته، أم أننا معرضين لرغبات البشر و"قوتهم"؟للإجابة على السؤال السابق، نحتاج أن نقرأ بقية سفر أستير.

3. أستير ومردخاي

بعدما قرر هامان القضاء على اليهود، احتاج إلى أن يحدد موعداً بالإضافة إلى الحصول علي موافقة الملك. تخبرنا أستير 3 أنه حدد الموعد ليكون في الثالث عشر من الشهر الثاني عشر (أستير 3: 13) وهذا بعدما ادعى أن اليهود لا يحفظون قوانين الملك [كان لهم قانون الله] وبعدما قدم للملك مبلغاً كبيراً من المال [عَشَرَةَ آلاَفِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ] حصل أخيراً على الموافقة على خططه (أستير 3: 8- 10). فكتب الأمر الخاص بإبادة اليهود تحت إرشاد هامان نفسه وأرسل إلى مقاطعات الملك مسبباً بذلك حزناً كبيراً لكل اليهود (أستير 3: 12- 15، 4: 3). حزن مردخاي كثيراً لدرجة أنه "شَقَّ ثِيَابَهُ وَلَبِسَ مِسْحًا بِرَمَادٍ وَخَرَجَ إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ وَصَرَخَ صَرْخَةً عَظِيمَةً مُرَّةً" (أستير 4: 1). أما أستير التي لم تعرف أي شيء بعد عن الفرمان، كانت حزينة جداً عندما علمت أن مردخاي، أبوها بالتبني، كان حزيناً جداً، فأرسلت له أحد خدامها لمعرفة السبب (أستير 4: 4- 6)، فأعلمها مردخاي بواسطة هذا الخادم ما حدث، طالباً منها أيضاً أن تذهب للملك وأن تطلب منه لأجل شعبه (أستير 4: 7- 9). وكما قد نتذكر، أن أستير بكونها الملكة، لم يكن مركزها صغيراً بالمملكة، إلا أنها ترددت في البداية أن تفعل ما طلبه منها مردخاي، حيث أن الملك لم يسمح لأي أحد بأن يدخل إليه بدون دعوة (أستير 4: 10- 12).

قد نتوقع أنه بما أن أستير، الملكة، كانت مترددة في المساعدة، إذاً فلم يكن هناك ولا حتى أقل إمكانية لمردخاي ولبقية اليهود للهروب من غضب هامان، إلا أن الأمور لم تكن كذلك، لأنه على الرغم من تردد أستير، إلا أن وعود الرب التي تمسك بها مردخاي لم تعتمد على أستير بل على الله الذي كان مسؤولاً عن إيجاد مخرجاً. بالطبع كانت أستير احتمال جيد جداً ولهذا السبب طلب منها مردخاي، ولكن، لجوء مردخاي لمساعدتها لم يعني أنه وضع ثقته فيها وليس في الله، فأنظر رده على تردد أستير:

أستير 4: 13- 14
"فَقَالَ مُرْدَخَايُ أَنْ تُجَاوَبَ أَسْتِيرُ: «لاَ تَفْتَكِرِي فِي نَفْسِكِ أَنَّكِ تَنْجِينَ فِي بَيْتِ الْمَلِكِ دُونَ جَمِيعِ الْيَهُودِ. لأَنَّكِ إِنْ سَكَتِّ سُكُوتًا فِي هذَا الْوَقْتِ يَكُونُ الْفَرَجُ وَالنَّجَاةُ لِلْيَهُودِ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، وَأَمَّا أَنْتِ وَبَيْتُ أَبِيكِ فَتَبِيدُونَ. وَمَنْ يَعْلَمُ إِنْ كُنْتِ لِوَقْتٍ مِثْلِ هذَا وَصَلْتِ إِلَى الْمُلْكِ؟»."

وثق مردخاي بالله، والسؤال في الجزء الثاني من رده يوضح أنه كان مدركاً أن الله قد جلب أستير إلى المملكة لأجل هذا الوقت العصيب، ولهذا السبب طلب مساعدتها، ومع ذلك، عندما رآها مترددة، أخبرها أن الله قادر أن يخلص اليهود " مِنْ مَكَانٍ آخَرَ" بدون مساعدتها، كم هي رائعة ثقة مردخاي بالله.

وباتباع درسه، علينا أيضاً أن نثق في الله وليس في الناس، وتظهر إرميا 17: 5- 8 مسبقاً ما سيحدث إن وضعنا ثقتنا في الناس وما سيحدث إن وضعنا ثقتنا في الله.

إرميا 17: 5- 8
"«هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ ذِرَاعَهُ، وَعَنِ الرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ. وَيَكُونُ مِثْلَ الْعَرْعَرِ فِي الْبَادِيَةِ، وَلاَ يَرَى إِذَا جَاءَ الْخَيْرُ، بَلْ يَسْكُنُ الْحَرَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ، أَرْضًا سَبِخَةً وَغَيْرَ مَسْكُونَةٍ. مُبَارَكٌ [أي سعيداً] الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ، وَكَانَ الرَّبُّ مُتَّكَلَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عَلَى مِيَاهٍ، وَعَلَى نَهْرٍ تَمُدُّ أُصُولَهَا، وَلاَ تَرَى إِذَا جَاءَ الْحَرُّ، وَيَكُونُ وَرَقُهَا أَخْضَرَ، وَفِي سَنَةِ الْقَحْطِ لاَ تَخَافُ، وَلاَ تَكُفُّ عَنِ الإِثْمَارِ."

من ناحية، لدينا الرجل الذي يتكل على الإنسان بينما يحيد قلبه عن الرب ومن ناحية أخرى لدينا الرجل المتكل على الله. واحداً مثل الشجرة في الصحراء والثاني مثل الشجرة المزروعة عند مجاري المياه، واحداً يسكن في البراري والثاني عند النهر أي في مكان مليء بالحياة.

بالعودة الآن إلى مردخاي، فرده جعل أستير تعدل عن رأيها:

أستير 4: 15- 17
"فَقَالَتْ أَسْتِيرُ أَنْ يُجَاوَبَ مُرْدَخَايُ: «اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلاً وَنَهَارًا. وَأَنَا أَيْضًا وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذلِكَ. وَهكَذَا أَدْخُلُ إِلَى الْمَلِكِ خِلاَفَ السُّنَّةِ. فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ». فَانْصَرَفَ مُرْدَخَايُ وَعَمِلَ حَسَبَ كُلِّ مَا أَوْصَتْهُ بِهِ أَسْتِيرُ."

وأخيراً، ذهبت أستير إلى الملك في ثالث تلك الأيام، ووفقاً لأستير 4: 11، كان من الممكن أن تموت بدخولها إلى الملك بدون دعوة إلا لو مد إليها قضيبه الذهبي، فتخبرنا الآية 2 ما حدث في النهاية:

أستير 5: 2
"فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ أَسْتِيرَ الْمَلِكَةَ وَاقِفَةً فِي الدَّارِ نَالَتْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ، فَمَدَّ الْمَلِكُ لأَسْتِيرَ قَضِيبَ الذَّهَبِ الَّذِي بِيَدِهِ، فَدَنَتْ أَسْتِيرُ وَلَمَسَتْ رَأْسَ الْقَضِيبِ."

في أثناء المسابقة، أعطى الله أستير نعمة لدى الملك وجعلها الملكة (أستير 2: 17)، فقط لأجل هذا الوقت العصيب ("لِوَقْتٍ مِثْلِ هذَا" (أستير 4: 14))، والآن، وعندما حان الوقت لأستير أن تلعب دورها، أعطاها الله نعمة عند نفس الرجل، ولم يحكم عليها بالموت بدخولها إليه بغير دعوة. في هذه الزيارة، دعت أستير الملك وهامان إلى الوليمة التي ستعدها لأجلهما ذلك المساء، وعندما ذهبا إلى هناك، أعدت لهما وليمة أخرى في المساء التالي (أستير 5: 3- 8)، وكما سنرى، فالوقت ما بين الوليمة والأخرى كان حقاً في غاية الأهمية.

أستير 5- 8: الخلاص دعوة الملكة لهامان لحضور وليمة أخرى جعلته فرحاً كثيراً (أستير 5: 9) إذ أنه لشرف كبير تناول الطعام مع أسرة ملكية، إلا أن فرحه تحول إلى غضب عندما رأى مردخاي عند مدخل القصر " وَلَمْ يَقُمْ وَلاَ تَحَرَّكَ لَهُ" (أستير 5: 9)، وكما هو واضح، فعلى الرغم من خطورة الموقف، إلا أن مردخاي لم يكن مستعداً للاستسلام وتكريم هامان، إذ ظل واثقاً في الله وفي كلمته، وظل مؤمناً في أن الله سيخلصه هو وشعبه، ولكن غضب هامان دفعه إلى ما هو أبعد من ذلك، فعندما رجع إلى بيته، وبغض النظر عن فرحه بدعوة الملكة، أعترف لزوجتة وأصدقائه بغضبه من مردخاي، فاقترحت عليه زوجته وكل احبائه التالي:

أستير 5: 14
"فَقَالَتْ لَهُ زَرَشُ زَوْجَتُهُ وَكُلُّ أَحِبَّائِهِ: «فَلْيَعْمَلُوا خَشَبَةً ارْتِفَاعُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَفِي الصَّبَاحِ قُلْ لِلْمَلِكِ أَنْ يَصْلِبُوا مُرْدَخَايَ عَلَيْهَا، ثُمَّ ادْخُلْ مَعَ الْمَلِكِ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَرِحًا». فَحَسُنَ الْكَلاَمُ عِنْدَ هَامَانَ وَعَمِلَ الْخَشَبَةَ."

وكما يبدو، فقد صار الوضع أسوأ بالنسبة لمردخاي، حيث أنه لن ينتظر إلى اليوم المحدد لإبادة اليهود حتى يراه ميتاً، فاراد هذا أن يحدث مبكراً كثيراً وفي الحقيقة في الصباح التالي!! ومن الواضح، فلو كان الله سيخلص مردخاي فعليه إذاً أن يفعل ذلك في تلك الليلة! وكان هذا هو ما فعله:

أستير 6: 1- 3
"فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ طَارَ نَوْمُ الْمَلِكِ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُؤْتَى بِسِفْرِ تَذْكَارِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ فَقُرِئَتْ أَمَامَ الْمَلِكِ. فَوُجِدَ مَكْتُوبًا مَا أَخْبَرَ بِهِ مُرْدَخَايُ عَنْ بِغْثَانَا وَتَرَشَ خَصِيَّيِ الْمَلِكِ حَارِسَيِ الْبَابِ، اللَّذَيْنِ طَلَبَا أَنْ يَمُدَّا أَيْدِيَهُمَا إِلَى الْمَلِكِ أَحَشْوِيرُوشَ. فَقَالَ الْمَلِكُ: «أَيَّةُ كَرَامَةٍ وَعَظَمَةٍ عُمِلَتْ لِمُرْدَخَايَ لأَجْلِ هذَا؟» فَقَالَ غِلْمَانُ الْمَلِكِ الَّذِينَ يَخْدِمُونَهُ: «لَمْ يُعْمَلْ مَعَهُ شَيْءٌ»."

وقليلاً بعدما صارت أستير ملكة وقبل ترقية هامان ليكون الرجل الثاني، حمى مردخاي الملك من تآمر خطط بواسطة اثنين من حرس الباب وهما بِغْثَانَا وَتَرَشَ (أستير 2: 21- 23)، وعلى الرغم من أن ذلك كُتِب في أخبار الأيام أي في مذكرات الملكة الرسمية إلا أن مردخاي لم يكرم وقتها، ومع ذلك، فلم يكن هذا من قبيل الصدفة إذ أن الله جلب له الخلاص من خلال هذا بالضبط في أكثر وقت احتاجه فيه. ففي الليلة التي كان من المفترض أن تكون آخر ليلة لمردخاي، " طَارَ نَوْمُ الْمَلِكِ"، وعلى الرغم من أن هذا لم يقال صراحة، إلا ان النتائج ستظهر أن هذا كان تخطيط إلهي حتى يظل مستيقظاً ويفعل الأشياء التابعة لذلك5. أول هذه الأشياء هو طلب إحضار كتاب أخبار الأيام، وكما نعلم، فهذا الكتاب يحتوى على تسجيل لما عمله مردخاي، ولم يكن هذا هو التسجيل الوحيد في الكتاب، بل على العكس، فكتاب مثل هذا قد يحتوي على مئات المدخلات، إلا أنه في تلك الليلة كان هناك تسجيل واحد في غاية الأهمية لقراءته والذي قُرِىء أخيراً. لم يكن هذا التسجيل سوى ما يخص مردخاي والعمل الصالح الذي عمله مع الملك والذي لم يكرم لاجله بعد !! بعدما سمع الملك هذا التسجيل وان مردخاي لم يكرم لأجله، احذر ماذا حدث؟ قرر أن يكرم مردخاي في اليوم التالي!! فعندما اشرق الصباح وجاء هامان ليسأل الملك أن يقتل مردخاي، كانت هناك مفاجاة غير سارة في انتظاره:

أستير 6: 4- 9
"فَقَالَ الْمَلِكُ: «مَنْ في الدَّارِ؟» وَكَانَ هَامَانُ قَدْ دَخَلَ دَارَ بَيْتِ الْمَلِكِ الْخَارِجِيَّةَ لِكَيْ يُقُول لِلْمَلِكَ أَنْ يُصْلَبَ مُرْدَخَايُ عَلَى الْخَشَبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُ. فَقَالَ غِلْمَانُ الْمَلِكِ لَهُ: «هُوَذَا هَامَانُ وَاقِفٌ فِي الدَّارِ». فَقَالَ الْمَلِكُ: «لِيَدْخُلْ». وَلَمَّا دَخَلَ هَامَانُ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «مَاذَا يُعْمَلُ لِرَجُل يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ؟» فَقَالَ هَامَانُ فِي قَلْبِهِ: «مَنْ يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ أَكْثَرَ مِنِّي؟» فَقَالَ هَامَانُ لِلْمَلِكِ: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ يَأْتُونَ بِاللِّبَاسِ السُّلْطَانِيِّ الَّذِي يَلْبَسُهُ الْمَلِكُ، وَبِالْفَرَسِ الَّذِي يَرْكَبُهُ الْمَلِكُ، وَبِتَاجِ الْمُلْكِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُدْفَعُ اللِّبَاسُ وَالْفَرَسُ لِرَجُل مِنْ رُؤَسَاءِ الْمَلِكِ الأَشْرَافِ، وَيُلْبِسُونَ الرَّجُلَ الَّذِي سُرَّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ وَيُرَكِّبُونَهُ عَلَى الْفَرَسِ فِي سَاحَةِ الْمَدِينَةِ، وَيُنَادُونَ قُدَّامَهُ: هكَذَا يُصْنَعُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ»."

قال هامان كل هذا اعتقاداً منه بأنه هو الرجل الذي يريد الملك أن يكرمه، ولكن .....

أستير 6: 10- 12
"فَقَالَ الْمَلِكُ لِهَامَانَ: «أَسْرِعْ وَخُذِ اللِّبَاسَ وَالْفَرَسَ كَمَا تَكَلَّمْتَ، وَافْعَلْ هكَذَا لِمُرْدَخَايَ الْيَهُودِيِّ الْجَالِسِ فِي بَابِ الْمَلِكِ. لاَ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ جَمِيعِ مَا قُلْتَهُ». فَأَخَذَ هَامَانُ اللِّبَاسَ وَالْفَرَسَ وَأَلْبَسَ مُرْدَخَايَ وَأَرْكَبَهُ فِي سَاحَةِ الْمَدِينَةِ، وَنَادَى قُدَّامَهُ: «هكَذَا يُصْنَعُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ». وَرَجَعَ مُرْدَخَايُ إِلَى بَابِ الْمَلِكِ. وَأَمَّا هَامَانُ فَأَسْرَعَ إِلَى بَيْتِهِ نَائِحًا وَمُغَطَّى الرَّأْسِ."

هل تتذكر كيف بدأ الأمر؟ بدأ عندما كان مردخاي جالساً عند باب الملك نائحاً الشر الذي خططه هامان ضده وضد شعبه، ولكن أنظر كيف انتهى الأمر: انتهى الأمر بمردخاي، الرجل الذي وثق في الله، راكباً فرس الملك، لابساً لباس الملك، وهامان، ثاني رجل في المملكة حتى الآن مناديا ً أمامه وراجعاً إلى بيته " نَائِحً"!! إلا أن هذه ليست هي نهاية القصة، إذ حدث المزيد في أثناء الوليمة التي أعدتها الملكة. ففي اثناء هذه الوليمة، كشفت أستير عن جنسيتها للملك وأن هامان قد خطط لإهلاك شعبها بالكامل. وعندما سمع الملك هذا، اغتاظ كثيراً (أستير 7: 7- 8). ، كان الملكوك في تلك الأيام عندما يغضبون كثيراً من شخص، تكون توقعات حياته غير سارة! إلا لو كان الملك عينه على الله، وكان هذا صحيحاً أيضاً بالنسبة لهامان، والذي سوف يستخدم صليبه أخيراً بشكل شخصي!

أستير 7: 9- 10
"فَقَالَ حَرْبُونَا، وَاحِدٌ مِنَ الْخِصْيَانِ الَّذِينَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ: «هُوَذَا الْخَشَبَةُ أَيْضًا الَّتِي عَمِلَهَا هَامَانُ لِمُرْدَخَايَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِالْخَيْرِ نَحْوَ الْمَلِكِ قَائِمَةٌ فِي بَيْتِ هَامَانَ، ارْتِفَاعُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا». فَقَالَ الْمَلِكُ: «اصْلِبُوهُ [هامان] عَلَيْهَا». فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى الْخَشَبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِمُرْدَخَايَ. ثُمَّ سَكَنَ غَضَبُ الْمَلِكِ."

كما هو واضح، قد انعكست أدوار كل من مردخاي وهامان؛ فهامان، الرجل الثاني في المملكة والرجل الذي خطط لإبادة الشعب اليهودي بأكمله ولصلب مردخاي، انتهى به الحال معلقاً على نفس الخشبة التي كان قد اعدها لمردخاي!! بالإضافة إلى ما تخبرنا به الآية الأخيرة من سفر أستير (أستير 10: 3) أن مردخاي، الرجل الذي وثق في الله صار " ثَانِيَ الْمَلِكِ أَحَشْوِيرُوشَ"، أو بمعنى آخر صار الرجل الثاني في المملكة، آخذاً محل هامان!! وأخيراً وعلى الرغم من أن الثالث عشر من الشهر الثاني عشر كان محدداً له أن يكون اليوم الذي سيباد فيه اليهود نهائياً، إلا أن الملك لم يقم فقط بإلغاء هذا الأمر بل أيضاً بتحويله. تحت ظل الأمر الجديد:

أستير 8: 11- 12
"الَّتِي بِهَا أَعْطَى الْمَلِكُ الْيَهُودَ فِي مَدِينَةٍ فَمَدِينَةٍ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَقِفُوا لأَجْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَيُهْلِكُوا وَيَقْتُلُوا وَيُبِيدُوا قُوَّةَ كُلِّ شَعْبٍ وَكُورَةٍ تُضَادُّهُمْ حَتَّى الأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ، وَأَنْ يَسْلُبُوا غَنِيمَتَهُمْ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ كُوَرِ الْمَلِكِ أَحَشْوِيرُوشَ، فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي عَشَرَ، أَيْ شَهْرِ أَذَارَ."

حقاً، ما أعظم إلهنا المخلص! مردخاي الرجل الذي وثق في الله، بدأ نائحاً، وتحت التهديد أنه سيعلق من قِبَل هامان ولكن انتهى به الحال مكرماً من قِبَل عدوه آخذاً مكانه حيث صار الرجل الثاني في المملكة. وبالمثل، بدأ الأمر باليهود وهناك "بُكَاءٌ وَنَحِيبٌ" (أستير 4: 3) وانتهي بهم الحال في فرح وبهجة (أستير 8: 17) وقد دُمِّر عدوهم (أستير 9: 1).

وعلى النقيض، فهامان، الرجل الذي وثق في قوته، بدأ به الأمر وقد كان الرجل الثاني في المملكة، فرحاً ومستعداً لتعليق مردخاي ولكن انتهى به الأمر نائحاً وعلق على نفس الخشبة التي أعدها لمردخاي!

النتيجة

لإنهاء هذه الدراسة المختصرة من سفر أستير، نستطيع أن نقول أن الدرس المستفاد منه هو نفس الدرس المقدم بواسطة الكثير من الأجزاء الأخرى في الكتاب المقدس؛ أي أن كلمة الله هي كلمة قاطعة، كلمة لا يمكن أن تكسر على الرغم من الإنسان والقوى الشيطانية التي قد تكون قد تدربت على عكس ذلك. وبالفعل، فمن يثق فيه، كما فعل مردخاي " لاَ يَخْزَى" (إشعياء 49: 23) بل "إِنَّهُ يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عَلَى مِيَاهٍ، وَعَلَى نَهْرٍ تَمُدُّ أُصُولَهَا، وَلاَ تَرَى إِذَا جَاءَ الْحَرُّ، وَيَكُونُ وَرَقُهَا أَخْضَرَ، وَفِي سَنَةِ الْقَحْطِ لاَ تَخَافُ، وَلاَ تَكُفُّ عَنِ الإِثْمَارِ." (غرميا 17: 8)، نستخلص من ذلك إذاً:

مزمور 37: 3- 7، 9- 11
"اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ. اسْكُنِ الأَرْضَ وَارْعَ الأَمَانَةَ. وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي، 6وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ. انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ، .... وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ..... أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ."

تاسوس كيولاشوجلو



الحواشي

1. كان هذا الأسم عبارة عن لقب (مثل فرعون، شار ... إلخ) أكثر من كونه اسماً وهو يعني "الملك الجليل". وفقاً لسير هنري رولينسون، البروفيسور Sayce، الموسوعة البريطانية، وموسوعة القرن للأسماء (أنظر: The Companion Bible, Kregel Publications ص 618) وحدث نفس الشيء ايضاً مع الكلمات "أَرتَحْشَسْتَا" (وتعني الملك العظيم") و"داريوس" (وتعني "المحافظ") والذي ظهرت في عدة مرات في بعض أجزاء الكتاب المقدس التي تشير إلى الأسر لبابل.

2. للتفاصيل أنظر أستير 1.

3. للمزيد عن أجاج، أنظر صموئيل الأولى 15.

4. وكذلك جوزيفوس في آثاره القديمة دعاهم بالعماليق.

5. هذا بالطبع لا يعني أنه في كل مرة لا أستطيع أن أنام فيها يكون هناك دائماً سبباً روحياً خلفه.