الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

السبـاق، والجهـاد والحـرب (PDF) PDF

السبـاق، والجهـاد والحـرب



نقرأ في عبرانيين 1:12-3:

عبرانيين 12: 1-3
"لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ".

نحن مدعون في هذا المقال أن نحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا، ناظرين إلى يسوع رئيس إيماننا ومكمله، تقدم هذه الفقرة طريق مسيحيتنا، وحياتنا المسيحية، كسباق يجب علينا أن نحاضره:

1. بالصبر، وأيضاً

2. ناظرين إلى يسوع رئيس إيماننا ومكمله.

يتحدث بولس مرة أخرى في موضع آخر – في فيلبي هذه المرة–عن هذا السباق، حيث نقرأ:

فيلبي 3: 12-14
"لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ،أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ افْتَكَرْتُمْ شَيْئًا بِخِلاَفِهِ فَاللهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هذَا أَيْضًا"

لم يحسب بولس نفسه أنه قد نال جائزة السباق، لكنه كان يرفض تلك الأشياء التي كانت تعيقه ساعيا تجاه الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع. كان هناك غرض لتحقيقه، وجائزة تُستَلم. لم يحسب بولس نفسه أنه استلم هذه الجائزة، لكنه ركز بحياته لينال هذه الجائزة. لقد اتفق غرضه المراد مع غرض دعوة الله العليا في المسيح يسوع.

يتحدث بولس مرة أخرى عن السباق والجائزة في كورنثوس الأولى 24:9-27، فنقرأ:

كورنثوس الأولى 9: 24-27
"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُو. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلاً يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا."

كان بولس يركض في الميدان لينال إكليلا لا يفنى، كانت حياته موجهة نحو هذا الغرض أن ينال إكليلاً لا يفنى من يدي الرب. لم يسمح لأي شيء آخر أن يتعارض مع هذا الغرض، لم يركض في عدم يقين، بل كان يعرف هدفه، وكان متأكد أن الجائزة في انتظاره، مثل الرياضيين المدربين أنفسهم واضعين في أذهانهم هدف الفوز بالسباق، كذلك كان بولس يدرب جسده، منتبهاً حتى لا يرفض. السباق الذي كان يركض فيه بولس لم يكن لبولس فقط، وإنما نركض نحن أيضاً في نفس السباق، نفس الإكليل، نفس الجائزة، تنتظرنا نحن أيضاً.

فلنتعمق أكثر، السباق الذي نركض فيه هو نفسه المذكور في الفقرة السابقة من كورنثوس الأولى. يتحدث بولس عن ذلك في مواضع أخرى أيضاً، أحدها في تيموثاوس الأولى، حيث يعطي بولس التعليمات لتيموثاوس، فكتب ما يلي:

تيموثاوس الأولى 6: 12
"جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا، وَاعْتَرَفْتَ الاعْتِرَافَ الْحَسَنَ أَمَامَ شُهُودٍ كَثِيرِينَ."

هناك جهاد حسن – الجهاد الحسن جهاد الإيمان – ويجب علينا أن نجاهده، أيضاً في رسالته إلى غلاطية، يتساءل بولس عن معوقات الإيمان كاتباً ما يلي:

غلاطية 5: 7-10
"كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَنً. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لاَ تُطَاوِعُوا لِلْحَقِّ؟ هذِهِ الْمُطَاوَعَةُ لَيْسَتْ مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ. «خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ». وَلكِنَّنِي أَثِقُ بِكُمْ فِي الرَّبِّ أَنَّكُمْ لاَ تَفْتَكِرُونَ شَيْئًا آخَرَ. وَلكِنَّ الَّذِي يُزْعِجُكُمْ سَيَحْمِلُ الدَّيْنُونَةَ أَيَّ مَنْ كَانَ."

كانوا يسعون حسناً لكن ليس لوقت طويل، حيث أعاقهم وأزعجهم شخص ما، لذلك يبدو أن هناك منافس في السباق أيضاً، شخص ما لا يريدنا أن نسعى حسناً، وإن أمكن، ألا نسعى على الاطلاق.

يتحدث بولس مرة أخرى عن السباق والجهاد في تيموثاوس الثانية 3:2-5:

تيموثاوس الثانية 2: 3-5
"فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَجَنَّدُ يَرْتَبِكُ بِأَعْمَالِ الْحَيَاةِ لِكَيْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ. وَأَيْضًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ، لاَ يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيًّا."

يصبح السباق جهاداً ويصبح الجهاد حرباً، الرياضي هو أيضاً جندي والجندي هو أيضاً محارب، والجندي الصالح عليه أن يتحمل المشقات.

بتلخيص ما سبق يمكن لنا رسم الصورة التالية للمتسابق الجيد في السباق، وكذا للجندي الصالح:

بناء عليه، فإن المتسابق أو الجندي الصالح:

1. يحاضر السباق بصبر، كما علق بارنز قائلا:

"الكلمة المُتَرجمة إلى "صبر" تعني إلى حد ما في هذا الموضع "المثابرة". يجب أن نخوض نحن السباق دون السماح لأنفسنا بأن يعوقها أي عائق، ودون التعطل أو الإغماء في الطريق. تشجع من خلال النظر لهؤلاء الذين ركضوا في نفس السباق قبلنا، ولنجاهد كما فعلوا حتى النهاية."

2. له غرض واضح وهذا الغرض ليس هو جعل الحياة مريحة بقدر الإمكان لكن أن ينال جعالة دعوة الله العليا للمسيح يسوع.

3. لا يركض في عدم يقين. لا يضرب الهواء، بل يضع أمام عينيه دائماً هدفه، جائزته، إكليل لا يفنى. كما يوضح بارنز أيضاً: "ليس في عدم يقين - (ουκ αδήλως ouk adelos)، لم ترد هذه الجملة في أي موضع آخر في العهد الجديد، فهي تعني عادة، لدى الكتاب الكلاسيكيين، "الغموض"، وهي تعني هنا أنه يركض بغير علم لغرض هذا الركض. " أنا لا أركض عشوائيا؛ لا أجهد نفسي لأجل لا شيء؛ أعرف ما أسعى إليه، وأثبت عيني على الغرض؛ أضع أمامي دائماً الغرض والإكليل."

4. يُدرب نفسه ويعلم جيدا أنه هو نفسه قد لا يكون مؤهلا أيضاً. فيما يتعلق بخطر عدم التأهل، يخبرنا بولس في كورنثوس الثانية:

كورنثوس الثانية 13: 5
"جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟"

المتسابق الجيد، يفحص نفسه، يمتحن نفسه هل هو في الإيمان. وكذا يدرب هو نفسه.

5. يتقدم بسرعة، فالجندي صالح لا يورط نفسه في شئون هذه الحياة، بل يفعل ذلك حتى يرضي ذاك الشخص الذي اختاره، فلا يمكن أن نكون جنوداً للرب يسوع المسيح، وفي نفس الوقت يكون اهتمامنا بأمورنا المادية. عندما يكون هناك استدعاء للجنود، فإنهم يتركون أعمالهم، مزارعهم، محلاتهم ويذهبون للحرب، وهذا لا يعني إننا مادمنا جنود يسوع المسيح فيجب علينا أن نترك أشغالنا، فقد كان بولس نفسه صانعا للخيام لكي يدبر معيشته. لكن لا يجب علينا أن "نتورط" أو ننغمس فيها. كما يقول لنا "متى هنري" في تعليقاته عن الكتاب المقدس:

"يجب أن يكون الغرض الأسمى للجندي هو ارضاء قائده؛ وبالتالي يجب أن يكون الغرض الأسمى للمسيحي هو إرضاء المسيح، حتى نتبرر لديه. والطريق لإرضاءه، ذلك الذي اختارنا لنكون ليس أن نورط أنفسنا في شئون هذه الحياة، بل أن نتحرر من مثل هذه العوائق التي تعيقنا في حربنا الروحية."

بكلمات أخرى أود أن أقول، بالتأكيد لدينا أعمالنا وأشغالنا التي نشتغلها أو إلتزاماتنا تجاه حياتنا، لكن لا يجب علينا أن نتورط، نُحاصَر، نُأسَر بكل هذه الأشياء. هذه الأمور ليست هي الهدف الذي لأجله نحن هنا، بل نحن لأجل إرضاء قائدنا، أن نكون جنودا صالحين ليسوع المسيح. نحن هنا في حرب ويجب علينا أن لا نتراخى.

تعمقا في هذا، كما قال الرب يسوع المسيح في مثل الزارع، أموراً مثل الاهتمام بهذا العالم، غرور الغنى وشهوة الحياة – التورط في الأشياء التي في العالم والتي يتحدث بولس عنها – تجعل كلمة الرب غير مثمرة. كثيرون بدأوا حسناً في هذا المثل، زُرِعَت كلمة الرب ونمت في قلوب كثيرة، لكن لم يعط ثمر سوى المجموعة الأخيرة، وهذا يرينا أيضاً أن عدد هؤلاء الذين أكملوا السباق مثمرين لا يساوي بالضرورة نفس العدد الذي بدأه. دعونا نلقي نظرة على ما أعلنه الرب بخصوص تفسير هذا المثل:

لوقا 11:8-15
"وَهذَا هُوَ الْمَثَلُ: الزَّرْعُ هُوَ كَلاَمُ اللهِ، وَالَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِئَلاَّ يُؤْمِنُوا فَيَخْلُصُوا. وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهؤُلاَءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ. وَالَّذِي سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ فَيَخْتَنِقُونَ مِنْ هُمُومِ الْحَيَاةِ وَغِنَاهَا وَلَذَّاتِهَا، وَلاَ يُنْضِجُونَ ثَمَرًا. وَالَّذِي فِي الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ."

لاحظ أن المجموعة الثانية والثالثة قد بدأت حسنا لكنهم لم يكملوا حتى النهاية. ليس الأهم أن تبدأ السباق، لكن عليك بعد أن تبدأ السباق أن تستمر فيه وهذا هو الأهم. الطريقة الوحيدة التي تجعلك داخل السباق هي الصبر، ناظراً إلى يسوع المسيح رئيس إيماننا ومكمله؛ مجاهداً، هادفاً إلى إرضاء قائدك وليس متورطاً في شئون هذه الحياة. هناك فكر خاطيء يعتقد بأنه كونك مسيحياً فهذا يعني تذكرة لحياة سهلة، كاملة الملذات. وكلمة "نِعَم" صارت تعني أن الله سوف يمنحك كل ما يرضيك، وأصبحت الحياة السهلة هي الهدف في كثير من الحالات. لذا يجب علينا أن ننتبه أن مثل هذا لا يمكن أن يكون هدفنا. هدفنا هنا هو خدمة الرب يسوع المسيح لكن التورط، والانشغال، بأمور هذا العالم يمكن أن تفعل شيئا واحدا فقط: تجعل البذور التي زرعت في قلوبنا غير مثمرة.

هدفنا في هذه الحياة ليس هو الوصول إلى تعريف المجتمع للرجل الناجح. لو كان بولس وبطرس وغيرهما من المؤمنين الأوائل يعيشون اليوم لن يكونوا موضع تقدير كبير من قبل المجتمع. لقد ترك بولس كل الامتيازات الأرضية التي كان يمتلكها، والتي كانت محل تقدير في مجتمعه، من أجل ربح المسيح. هذا ما يرويه لنا في فيلبي 4:3-11:

فيلبي 4:3-11
"مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى. مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ. لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ. لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، 11لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ."

كان هناك الكثير من الامتيازات التي حققها بولس قبل أن يصبح مسيحياً، حيث نال التكريم من مجتمعه بسببها، لقد كان رجلاً "ناجحاً"، طبقا لمعايير مجتمعه، معايير العالم. إلا أنه حسبها كلها نفاية لكي يربح المسيح.

لكي نصبح مثمرين في المسيح، يجب علينا تحمل المشقات، يجب علينا أن نتحمل الإغراء ويجب أن نتخلى عن ثقتنا في الغنى أو في قوتنا الذاتية. إذا كنا قد أصبحنا مسيحيين فقط لكي نصبح أكثر غنى أو أفضل حالاً من جيراننا أو لتجنب المشقات هنا وهناك، أو للحصول على بعض "النعم" فهذا معناه أننا قد فهمنا الأمور بطريقة خاطئة. كما يقول بولس في كورنثوس الأولى 19:15:

كورنثوس الأولى 15: 19
"إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ."

يا ليتنا نثق في المسيح لأجل هذه الحياة، فلو كان تركيز ثقتنا هو هذه الحياة، لكنا أشقى جميع الناس. ولكن يجب أن يكون هدفنا في هذه الحياة، هو إرضاء ذاك الذي دعانا: الرب يسوع المسيح. هو قائدنا، رئيس إيماننا ومكمله وسوف نحاضر السباق فقط إن كنا نحاضره بصبر، مثبتين أعيننا عليه.

لم يَعِد يسوع المسيح "سوف تمتلك كل شيء" في الحياة، لكنه دعانا لحمل الصليب (مرقس 34:8). في الواقع وعدنا بالبركات، ولكنه حدثنا أيضاً عن المشقات، هناك جائزة لكن هناك أيضاً سباق، هناك إكليل ولكن هناك أيضاً جهاد، حيث نحتاج الصبر والرؤية الصحيحة. من السهل الركض من أعلى تل إلى أسفله لكن من الصعب الركض من أسفل إلى أعلى. ولكي تركض من أعلى إلى أسفل تحتاج القليل من وضوح الهدف، لأن الأرجل نفسها تقودك، لكن لكي تركض من أسفل إلى أعلى تحتاج إلي الصبر ووضوح الهدف. بدون ذلك ربما وبعد الشعور ببعض التعب، تتخلي عن السباق وتجلس على الطريق وتمضي حياتك هناك.

آخر ثلاث أقسام في مثل الزارع بدأوا بشكل جيد، لكن القسم الأخير فقط هو الذي اختار أن يستمر في الركض أعلى التل. هم من كانوا "وَالَّذِي فِي الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ." (لوقا 15:8) هم من أثمروا بالصبر بعد أن سمعوا الكلمة وحفظوها في قلب جيد صالح.

اجعل هدفك هو الجعالة من دعوة الله العليا في المسيح يسوع، اجعل هدفك أن يكون هو إرضاء الرب، أن تكون جندي صالح ليسوع المسيح، مهما تطلب الأمر. لقد اختبرت ورأيت كم أن الرب صالح، لذا ركز حياتك كلها عليه.

السباق: المنافس

كما رأينا فيما سبق، الحياة المسيحية هي حياة جهاد، وكذلك قرأنا سابقاً في غلاطية، أنهم كانوا يسعون حسنا لكن شخص ما أعاقهم في سباقهم. كذلك رأينا أن الإغراء، غرور الغنى، هموم هذا العالم وملذات الحياة جعلت القسمين الثاني والثالث في مثل الزارع بلا ثمر. يمكننا أيضاً أن نرى في نفس المثل أن القسم الأول قد فقد ما زُرِع فيها من كلمة الله بسبب الشيطان الذي جاء وخطفها. يجب أن يتضح مما سبق أنني لا أحاضر منفرداً، ولكن هناك أيضاً منافس في هذا الجهاد. هناك شخص ما لا يريد لنا انهاء الجهاد بنجاح.، فيعارض هدفنا ويريدنا أن نتوقف عن الوصول لمبتغانا. وبعبارة أخرى، هناك عدو!

تحدثنا أفسس 6 عن جهادنا مع هذا العدو:

أفسس 6: 10-12
"أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ."

تصف لنا هذه الفقرة، وكذلك الآيات التي تليها، الصراع يننا وبين العدو، لا يبدأ بولس مباشرة بوصف هذا الصراع، لكنه يبدأ بدعوة: والدعوة هي أن تكون قوياً في الرب وفي شدة قوته، فلا يوجد مثل الرب، فليست قوتنا هي التي يمكن بها التفوق على العدو، بل شدة قوة الله والتي يجب علينا أن نتقوى بها. وتستمر الدعوة قائلة لنا أن نلبس سلاح الله الكامل. يمتلك المحاربين أسلحة ونحن كجنود ليسوع المسيح نمتلك سلاحاً أيضاً، والغرض من السلاح هو أن نكون قادرين على الثبات ضد مكايد إبليس، فالعدو هو إبليس وهو مُخادع.

تخبرنا الآيات أيضا أن مصارعتنا: ليست مع بشر، ليست مع لحم ودم بل مع الرؤساء والسلاطين وولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، فنتصارع مع أجناد الشر الروحية في السماوات. إذاً فهناك عدو علينا أن نقاومه، حرب يجب علينا أن نحارب فيها وسلاح يجب علينا أن نلبسه. تصف لنا الآيات 14-18 هذا السلاح:

أفسس 6: 14-18
"فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ"

لقد وهبنا الله هذا السلاح ويجب علينا الحصول عليه وارتدائه، من أجل أن تكون قادراً على خوض الحرب مع العدو. أوصاف أخرى وتعليمات بشأن هذا المنافس لنا في الجهاد نجدها في بطرس الأولى 8:5-11 حيث نقرأ:

بطرس الأولى 5: 8-11
"اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ. وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ. لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ."

الشيطان هو عدونا، خصمنا، يجول وهدفه وحشي وهو أن يلتهمنا. وهذا ما لأجله تخبرنا كلمة الله أن نصحوا ونسهر. كما يعلق على هاتين الكلمتين "متى هنري" في تعليقاته على الكتاب المقدس:

" إنه واجبهم (المسيحيين)، 1. أن يصحوا، ويمتحنوا كل ما هو ظاهر وكل ما هو باطن وفقا لقواعد ضبط النفس، التواضع وإماتة الجسد. 2. أن يسهروا؛ ليس لأنهم غير آمنين أو مهملين، بل لأجل الخطر المستمر من هذا العدو الروحي، كذلك، في إطار الحذر منه، لنكن ساهرين متيقظين لإفشال خططه والنجاة بأرواحنا."

يجب علينا أن نركز على الهدف الصحيح. وعلى الرغم من أنه وجب علينا أن نكون ساهرين متيقظين، لا ينبغي أن تكون أعيننا على الشيطان لكن على الرب يسوع المسيح. علينا أن نحاضر الجهاد مركزين ناظرين إليه وفي نفس الوقت نكون ساهرين حذرين لأجل العدو، ولكي نقاوم هذا العدو، علينا الثبات في الإيمان. ربما يعني هذا أننا قد نعاني بعض الوقت. يتضح لنا أكثر من خلال الآيات السابقة وأيضاً من خلال الآيات التي قرأناها في تيموثاوس، أن الحياة المسيحية في الحقيقة بها بعض المعاناة والمشقة، فهي تتضمن الحرب وتتطلب الصمود. هذا يعني أننا يجب أن نعاني في بعض الأحيان أثناء مسيرتنا المسيحية.

لماذا أقول كل هذا؟ لأركز أكثر على هؤلاء الذين - لسبب ما- أُحبَطوا في أثناء مسيرتنا المسيحية؛ أولئك الذين يعانون أو أولئك الذين لم تتحققمن توقعاتهم من الرب لعد.أنت الآن في قلب الحرب لكن الرب معك. كما قال بطرس "وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ." (بطرس الأولى 16:4). كذلك كما قال يعقوب "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ." (يعقوب 12:1). أريد أن أشجعكم اليوم لتحمل التجارب.

وهذا لا يعني أن نتظاهر وكأن شيئاً لا يحدث! قد تكون مشاعرنا مجروحة، قد يكون لدينا أسئلة وقد نسأل لماذا سمح الرب بكل هذا، يجب أن نعبر عن كل مشاعرنا أمام الرب، ينبغي أن نسأله أسئلتنا كلها ونخبره بما نشعر، ليس من المفترض علينا أن نظهر وكأننا لم نتأثر ثم نمضي قدماً، بينما تمتليء قلوبنا بالألم وخيبة الأمل.

لقد كان أيوب رجلا يعيش بالاستقامة وفجأة باغته الدمار من كل ناحية؛ تدهورت حالته الصحية بشكل سريع، مات أولاده، خسر كل ممتلكاته واحتقرته زوجته لأنه حافظ على إيمانه، وفوق كل هذا، لامه أصدقائه وحملوه مسئولية كل ما حدث معه. من يتصور سيناريو أسوأ من هذا؟ تمنى أيوب الموت وأعتقد لو كنت أنا مكانه لفعلت كذلك، لكن كيف كان رد فعله تجاه كل هذا؟ فهو لم يمثل أنه أقوى مما حدث ولا لعن الله، كما قالت له زوجته، لكنه صرخ إلى الرب، فاتحا قلبه له وفي نفس الوقت سأله عما يحدث معه. سفر أيوب هو السفر المليء بأسئلة "لماذا" موجهه للرب.

ربما عانيت أنت أيضا كثيرا وربما لديك الكثير من أسئلة لماذا، ربما لم يتحقق الكثير مما توقعته. أحيانا تأمل من الله أن يحقق أمرا ما لكنه لا يتحقق، ربما يكون هذا الأمر هو الوظيفة التي لم تحصل عليها، شريك الحياة الذي لم يأتي، الصحة التي لم تستمر؛ وغير ذلك من الآمال التي لم تتحقق. أياً كان، هو تجربة. مهما كان يجب عليك ألا تغلق قلبك، مهما كان يجب عليك أن تتكلم مع الرب عما يحدث معك، أسأله؛ أصرخ له؛ تواصل معه. فرغم كل معاناة أيوب إلا أنه لم يلعن الله كما طلبت منه زوجته. كما قال هو "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ." (أيوب 15:13). في كل معاناته الفظيعه هذه، لم يفقد أيوب إيمانه.

طريق واحد لتوجيه أسئلة للرب هو أن تكون في شركة معه، كما فعل أيوب، وأي شيء غير ذلك فهو مرفوض. على الرغم من أن أيوب كان مليء بالألم لكنه اجتاز التجربة. كانت زوجته - وأنا لا أعرف ما إذا كانت مؤمنة أصلاً أم لا - مليئة بالألم أيضا لكنها لم تجتز التجربة. فلقد كانت تقبل الرب في أيام الخير فقط أما في أيام المعاناة ضلت بعيد ... مثل القسم الثاني من مثل الزارع. لكن أنظر ماذا قال أيوب لها: "أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟" (أيوب 10:2).

كان أيوب مستعداً وأنت أيضاً يجب أن تكون كذلك. يجب أن تكون مستعداً وتقرر أنه مهما تطلب الأمر، مهما عانيت، أيا كانت الآمال التي لم تتحقق، أو مهما حدث غير ذلك فستحتفظ بإيمانك حتى النهاية. فهو ليس إيماناً بمجرد فكرة... بل هو الإيمان بالله الذي أعلن نفسه لك.

خذ قرار لمحاضرة الجهاد حتى النهاية، مهما كلفك الأمر، حاضره بصبر ناظراً إلى يسوع رئيس إيماننا ومكمله! كما يقول بطرس:

"وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ. لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ."

الرب يبارككم

تاسوس كيولاشوجلو