الكلمة
قم بالاشتراك لتصلك مقالات المجلة مجاناً

ألقها على الرب (PDF) PDF

ألقها على الرب



أنا أعلم أن هناك أوقاتاً قد نشعر فيها بأن قلوبنا مثقلة، فاشياء كحلم محطم أو ضغط خارجي أو تهديد أو أي شيء مماثل قد يكون له - لو لم نتعامل معه بشكل صحيح - تأثير سلبي على حياتنا. وتظهر حقيقة أن الأحمال والضغوط قد تكون بالفعل حقيقة في حياة المسيحي في توضيح الله في كلمته لطريقة مواجهتها ، إنها تلك الطريقة التي سنحاول تقديمها اليوم.

1. الله يعولك

لكي نبدأ، دعونا نذهب إلى مزمور 55: 22 حيث نقرأ:

مزمور 55: 22
"أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لاَ يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ."

تنصحنا كلمة الله بأن نلقي همنا على الرب، فنفهم من ذلك شيئين؛ أولاً، لا تستمر الحياة بدون هموم حتى للمسيحيين، وثانياً، أن الطريقة الصحيحة لمواجهة أي هم، صغير كان أو كبير هي بإلقائها على الرب، وهذا مؤكد أيضاً في بطرس الأولى 5: 7 حيث نقرأ:

بطرس الأولى 5: 6- 7
"فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ، مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ."

يحثنا الله على إلقاء كل همنا عليه، لأنه يقول أنه يعتني بنا، وعلى الأغلب، لم تكن من قبيل الصدفة تلك الإشارة إلى التواضع التي سبقت هذه الفقرة، وحقاً، يتطلب الأمر الاتضاع حتى ننكر أنه بإمكاننا فعل أي شيء ونلقي كل همومنا على الله الذي كما تقول لنا رومية 8: 32

رومية 8: 32
"اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟"

كذلك يقول مزمور 37: 3- 5
"اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ وَافْعَلِ الْخَيْرَ. اسْكُنِ الأَرْضَ وَارْعَ الأَمَانَةَ. وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُجْرِي..... انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ"

وأمثال 3: 5- 6
"تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ."

ليست هذه مجرد كلمات على الرغم من قراءتنا لها عدة مرات قبلاً، بل إنها كلمات الله؛ وعوداً تتطلب الانتباه والثقة، فالأمر لا يتعلق بحكمتنا وقدرتنا على حمل أثقالنا، بل يتعلق بثقتنا في الله القدير، صاحب الحكمة والقدرة لحمل أثقالنا عنا.

2. متى 6

تعليم آخر من تعاليم كلمة الله فيما يخص التعامل مع الأحمال والهموم معطى في متى 6 على لسان المسيح، فنقرأ هناك بدءاً من الآية 25:

متى 6: 25- 32
"«لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ فَلاَ تَهْتَمُّو قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا."

لاحظ أن الفقرة لا تقول أنه لا ينبغي لنا أن نطلب من الله احتياجاتنا، بل فإن جزء من الصلاة التي أعطاها الرب لتلاميذه (المعروفة باسم "الصلاة الربانية") كان عن الاحتياجات المادية ("خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ."، متى 6:11). إذاً فما يريد المسيح قوله هنا ليس هو التوقف عن سؤال الله لتغطية احتياجاتنا، بل أن نتوقف عن القلق حياله، ثم يكمل في إخبارنا بما علينا فعله:

متى 6: 33- 34
"لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ."

تصنع كلمة "ولكن" في أول الفقرة مقارنة بين ما يسبقها وما يتبعها، فهي تخبرنا بأنه بدلاً من أن نعطي انتباهنا إلى همومنا علينا أن نهتم أولاً بملكوت الله وبره، ونتيجة لذلك، ستزاد لنا كل الأشياء التي قد نحتاجها، مثلما رد المسيح على الشيطان عندما جربه:

متى 4: 4
"فَأَجَابَ وَقَالَ:«مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ»."

حتى وإن كان لنا كل شيء، فليست لنا حياة لو لم تكن كلمة الله موجودة في قلوبنا، وهذا بالطبع لا يعني أننا لا نحتاج أن نأكل أو نشرب أو أن ليس لنا احتياجات أخرى، نحن فقط نقرأ أن الله يعلم أننا نحتاج هذه الأشياء، إلا أن احتياجنا الرئيسي، بل في الحقيقة هو احتياجنا الوحيد (أنظر لوقا 10: 38-41) هو أن تسود كلمة الله على قلوبنا، هذا هو ما ينبغي أن نطلبه أولاً وإن فعلناه، فكل ما قد نحتاجه سيزاد لنا، هذا وعد!

بعض الأمثلة حتى نفهم الجانب العملي على ما سبق بشكل أفضل، فلنلقي نظرة على مثالين (ليسا المثالين الوحيدين)من الكتاب المقدس.

3. دانيال في جب الأسود

الحالة الأولى التي سندرسها هي حالة دانيال، كان دانيال واحداً من هؤلاء اليهود الذين أخذوا أسرى في بابل والذي عين في النهاية وزيراً على المملكة، وفي الحقيقة، كما نقرأ في دانيال 6: 3 أن حدث في وقت الملك داريوس المادي أنه فُضِّل على جميع حكام المملكة، فتسبب هذا بدوره في حسد زملائه والذين خططوا ضده، فأقنعوا الملكك بأن يصدر أمراً ملكياً يشدد نهياً طلب أي طلبة من أي أحد آخر غير الملك حتى ثلاثين يوماً (دانيال 6: 4- 8)، كانت عقوبة من يعصى هذا الأمر هو إلقائه في جب الأسود، والسبب في أخذ المؤامرة لهذا الشكل لم يكن من قبيل الصدفة. وكما تخبرنا الآية 5، فهؤلاء علموا أن الطريقة الوحيدة لبلوغ هدفهم هو أن بجدوا على دانيال علة " مِنْ جِهَةِ شَرِيعَةِ إِلهِهِ"، ومن ثم، فبمعرفة المحبة التي كانت لدانيال تجاه الله، وضعوه في مأزق: فإما أن يتوقف عن سؤال الله، كما تطلب الأمر، أو سيصير، كما ظنوا، طعاماً للأسود. حاول هؤلاء الرجال من خلال هذه الخطة أن يتدخلوا كثيراً في علاقة دانيال بإلهه، فهو الآن عليه أن يختار؛ إما أن يسمح لهذا الضغط والتهديد بأن يؤثرا على قلبه بالقلق والخوف أو أن يلقيها على الله ويُبقِى على علاقته به ويستودعه الأمر برمته. تخبرنا الآية 10 باختياره:

دانيال 6: 10
"فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ."

لم يكمل دانيال الصلاة وطلب الله فحسب، بل أيضاً فعل ذلك مثلما كان يفعل دائماً: وشباكه مفتوح على مصراعيه! من الواضح أنه تجاهل التهديد، أو بمعنى أفضل، لم يحاول مواجهته بأساليبه الخاصة، كأن يغلق الشباك مثلاً أو أن يحاول الاختباء أو الصلاة في أوقات لا يراه فيها أحد أو سراً... إلخ، بل على عكس ذلك، استمر في علاقته بالله كسابق عهده، من ناحية أخرى، كان هذا بالضبط هو ما رغب به أعدائه. كما رأينا، فقد وضعوا خططهم على أساس أن دانيال لن يتوقف عن الصلاة وطلب الله ومن ثم سيتعدى على أمر الملك. فتخبرنا الآيات 11- 16 بما فعله هؤلاء الرجال فيما بعد:

دانيال 6: 11- 16
"فَاجْتَمَعَ حِينَئِذٍ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ فَوَجَدُوا دَانِيآلَ يَطْلُبُ وَيَتَضَرَّعُ قُدَّامَ إِلهِهِ. فَتَقَدَّمُوا وَتَكَلَّمُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ فِي نَهْيِ الْمَلِكِ: «أَلَمْ تُمْضِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نَهْيًا بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَطْلُبُ مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُودِ؟» فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ: «الأَمْرُ صَحِيحٌ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ». حِينَئِذٍ أَجَابُوا وَقَالُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ: «إِنَّ دَانِيآلَ الَّذِي مِنْ بَنِي سَبْيِ يَهُوذَا لَمْ يَجْعَلْ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْتِبَارًا وَلاَ لِلنَّهْيِ الَّذِي أَمْضَيْتَهُ، بَلْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ يَطْلُبُ طِلْبَتَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ هذَا الْكَلاَمَ اغْتَاظَ عَلَى نَفْسِهِ جِدًّا، وَجَعَلَ قَلْبَهُ عَلَى دَانِيآلَ لِيُنَجِّيَهُ، وَاجْتَهَدَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيُنْقِذَهُ. فَاجْتَمَعَ أُولئِكَ الرِّجَالُ إِلَى الْمَلِكِ وَقَالُوا لِلْمَلِكُ: «اعْلَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّ شَرِيعَةَ مَادِي وَفَارِسَ هِيَ أَنَّ كُلَّ نَهْيٍ أَوْ أَمْرٍ يَضَعُهُ الْمَلِكُ لاَ يَتَغَيَّرُ». حِينَئِذٍ أَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُ فِي جُبِّ الأُسُودِ. أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «إِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ يُنَجِّيكَ»."

كره هؤلاء الرجال دانيال كثيراً، فلكي يطرحوه عن منصبه خدعوا حتى الملك، وعندما فهم الملك ما حدث، حزن كثيراً ولكنه لم يقدر أن يفعل شيء، إذ أنه من المستحيل للأمر أن يتغير، إلا أنه فعل شيئاً أكثر أهمية: وثق في الله، فتخبرنا الآيات 17- 23 ما حدث في النهاية:

دانيال 6: 17- 23
"وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ وَخَتَمَهُ الْمَلِكُ بِخَاتِمِهِ وَخَاتِمِ عُظَمَائِهِ، لِئَلاَّ يَتَغَيَّرَ الْقَصْدُ فِي دَانِيآلَ. حِينَئِذٍ مَضَى الْمَلِكُ إِلَى قَصْرِهِ وَبَاتَ صَائِمًا، وَلَمْ يُؤْتَ قُدَّامَهُ بِسَرَارِيهِ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ. ثُمَّ قَامَ الْمَلِكُ بَاكِرًا عِنْدَ الْفَجْرِ وَذَهَبَ مُسْرِعًا إِلَى جُبِّ الأُسُودِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى الْجُبِّ نَادَى دَانِيآلَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ. أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «يَا دَانِيآلُ عَبْدَ اللهِ الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟» فَتَكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: «يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا». حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ. فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ."

تعطينا الآية الأخيرة محصلة ما حدث لدانيال وسببه، ومن ثم، قد كانت المحصلة هي " وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ" وكان السبب هو أنه " آمَنَ بِإِلهِهِ"

من السهل جداً قراءة ما سبق والمرور به مرور الكرام، ولكن، فلنضع أنفسنا محل دانيال لدقيقة، فلم يكن هو وغيره من رجال الكتاب المقدس أناساً خارقين، بل كانوا رجالاً مثلنا عليهم أن يختاروا بين الإيمان أو عدم الإيمان بالله، هل مشاكلنا والتهديدات التي قد نواجهها أكبر من التهديدات التي واجهها دانيال؟ كان من الممكن أن يموت في دقيقة واحدة، وبطبيعة الحال، كان سيموت بمجرد وصوله أسفل الجب، إلا أن دانيال لم ينظر إلى وضعه الطبيعي بل نظر إلى ما هو فوق الطبيعي، كما تخبرنا الفقرة "أَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ"، وثق بالله. كان من الممكن أن يعمل آلاف الأشياء الأخرى، كان من الممكن أن يبتكر آلاف الطرق للهروب من الفخ: كان من الممكن أن يغلق النوافذ، أن يتحايل، أو أن يتوسل للملك، إلا انه اختار بدلاً من ذلك أن يؤمن بالله، فقد " آمَنَ بِإِلهِهِ"عندما سيق إلى الجب، " آمَنَ بِإِلهِهِ" عندما ألقي في الجب، وماذا كانت النتيجة؟ أنه "لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ."، فالقضية هنا ليست هي مرورنا بأوقات عصيبة أو أحمال وهموم ستلقى على أكتافنا، لأننا نعلم أنه سيكون كل هذا، ولكن القضية هي كيفية التعامل معها، هل سنبقيها على أكتافنا أم سنلقيها على الله؟ هل سنؤمن بقدرة الله وقوته، أم في قدراتنا وقوتنا؟ هل سنبحث عن حل طبيعي ("أنا قادر"، "أنا لدي حكمة")؟ أم فوق طبيعي ("الله قادر"، "الله يعطيني الحكمة")؟

4. حالة إيليا

مثال آخر عن التعامل مع الاحمال والهموم وعن قدرة الله على الاهتمام باحتياجاتنا معطى في ملوك الأولى 17، فنجد في ملوك الأولى 17، الأية 1 إيليا متحدثاً مع آخاب ملك إسرائيل:

ملوك الأولى 17: 1
"وَقَالَ إِيلِيَّا التِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لأَخْآبَ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي»."

لأجل كل الشر الذي وجد في إسرائيل في أثناء حكم آخاب الملك، لم يُنزِل الله مطراً لمدة ثلاث سنوات ونصف، وكان هذا بالطبع يعني مجاعة في وسط إسرائيل التي عاش فيها إيليا أيضاً، إذاً، وجدت الحاجة للطعام والماء، الأمر الذي بدا بطبيعة الحال أنه عاجلاً أم آجلاً سيكون من الصعب جداً على إيليا مواجهته، هل علم الله أن إيليا، رجله، احتاج أن يأكل أو يشرب، وماذا فعل حيال هذا؟ تخبرنا الآيات 2- 6:

ملوك الأولى 17: 2- 6
"وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ لَهُ قَائِلاً: «انْطَلِقْ مِنْ هُنَا وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَبِئْ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الأُرْدُنِّ، فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ». فَانْطَلَقَ وَعَمِلَ حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ، وَذَهَبَ فَأَقَامَ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الأُرْدُنِّ. وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ."

الله يعلم احتياجاتنا ومع أنه قد يبدو من المستحيل طبيعياً أن تتحقق بعضها، إلا أنه يعلم كيف يغطيها بطرق أخرى فوق طبيعية. فمن يتخيل أنه كحل لاحتياج إيليا للطعام أن تأتي له الغربان بما يحتاج؟ ولكنه مكتوب هنا أمام أعيننا، فليس من الضروري لنا أن نتوقع الحل الطبيعي، بل الحل الذي يأتي بشكل فوق طبيعي، من الله القادر على جعل كل شيء ممكناً ومستحيلاً، نحن لا نرجو فقط عند وجود حلول، بل أيضاً في عدم وجود حلولاً مرئية في الأفق، وكما حدث مع إيليا، كذلك أيضاً يحدث معنا، الله يعلم أن يأتي بالحلول ويجيب الصلوات بطريقة فوق طبيعية: فهو يعلم1الطريقة الفوق طبيعية، ولكن دعونا نكمل:

ملوك الأولى 17: 7- 9
"وَكَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ أَنَّ النَّهْرَ يَبِسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ فِي الأَرْضِ. وَكَانَ لَهُ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: «قُمِ اذْهَبْ إِلَى صِرْفَةَ الَّتِي لِصِيدُونَ وَأَقِمْ هُنَاكَ. هُوَذَا قَدْ أَمَرْتُ هُنَاكَ أَرْمَلَةً أَنْ تَعُولَكَ»."

سيجف النهر، وستنفذ المياه والعطش يهدد إيليا، ماذا فعل؟ لم يفعل شيء حتى أعطاه الله الحكمة مظهراً له حله الفوق طبيعي والذي تبعه:

ملوك الأولى 17: 10- 16
"فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى صِرْفَةَ. وَجَاءَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ هُنَاكَ تَقُشُّ عِيدَانًا، فَنَادَاهَا وَقَالَ: «هَاتِي لِي قَلِيلَ مَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَأَشْرَبَ». وَفِيمَا هِيَ ذَاهِبَةٌ لِتَأْتِيَ بِهِ، نَادَاهَا وَقَالَ: «هَاتِي لِي كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِكِ». فَقَالَتْ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ، إِنَّهُ لَيْسَتْ عِنْدِي كَعْكَةٌ، وَلكِنْ مِلْءُ كَفّ مِنَ الدَّقِيقِ فِي الْكُوَّارِ، وَقَلِيلٌ مِنَ الزَّيْتِ فِي الْكُوزِ، وَهأَنَذَا أَقُشُّ عُودَيْنِ لآتِيَ وَأَعْمَلَهُ لِي وَلابْنِي لِنَأْكُلَهُ ثُمَّ نَمُوتُ». فَقَالَ لَهَا إِيلِيَّا: «لاَ تَخَافِي. ادْخُلِي وَاعْمَلِي كَقَوْلِكِ، وَلكِنِ اعْمَلِي لِي مِنْهَا كَعْكَةً صَغِيرَةً أَوَّلاً وَاخْرُجِي بِهَا إِلَيَّ، ثُمَّ اعْمَلِي لَكِ وَلابْنِكِ أَخِيرًا. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: إِنَّ كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ». فَذَهَبَتْ وَفَعَلَتْ حَسَبَ قَوْلِ إِيلِيَّا، وَأَكَلَتْ هِيَ وَهُوَ وَبَيْتُهَا أَيَّامًا. كُوَّارُ الدَّقِيقِ لَمْ يَفْرُغْ، وَكُوزُ الزَّيْتِ لَمْ يَنْقُصْ، حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ إِيلِيَّا."

بطبيعة الحال، من يقدر أن يتخيل كل ما سبق؟ ولا أحد! كل ما سبق مستحيل، ولكنه يستحيل أن يحدث في الطبيعة، وليس فيما هو خارق للطبيعة، كما قال الرب: "«غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ»." (لوقا 18: 27). كل شيء ممكناً عند الله، فإلهنا هو مصدر القوة الأعظم اللا نهائي في الكون كله، دعونا لا ننظر حولنا باحثين عن حلولاً طبيعية، ولا أن نقيد الطرق التي قد يتصرف من خلالها الله فيما نراه حولنا فقط، لأننا قد لا نرى حولنا شيء أو أسوأ من ذلك، فقد نرى جباً للأسود أو مجاعة وعطش شديدين، بل على العكس، دعونا ننظر إليه، منتظرين حله ونصحه حتى وإن لم يبدو هناك حلاً، فلنسلم طريقنا للرب ونتكل عليه وهو يجري (مزمور 37: 5)، نحن لا نعلم كيف سيجري ولكننا نعلم أنه سيفعل ذلك وهذا كاف ليعطينا راحة فيه حتى وإن كان الجميع لا يؤيدون ذلك.

تاسوس كيولاشوجلو

 



الحواشي

1. أعني ب "فوق طبيعي" الحل الذي يأتي بشكل فوق طبيعي، بواسطة الله، إنه الحل الذي أعده الله، على نقيض الحل الذي نبتكره نحن (الطبيعي).